مجتمع
عمي الصحراوي .. قلب الأسد
06/02/2022 - 12:57
يونس الخراشي | حليمة عامر
هناك رجال يشبهون نسمات الصيف الحار. يظهرون في الأوقات الحرجة من حيث لا نعلم. يفتحون لنا فسحة كبيرة. ثم ينسحبون في هدوء، بعد أن يحبهم الجميع، مخلفين صورة رائعة في الأذهان، وكأنهم أسطورة من خيال.
عمي علي الجاجاوي، الشهير بالصحراوي، واحد من هؤلاء الرجال. ظهر فجأة من بين الحشود والتراب، عندما كانت عملية إنقاذ الطفل ريان اورام، بقرية إغران، التابعة لشفشاون، شمال المغرب، بدأت تدخل ساعاتها الحاسمة، ليعطي "يد الله"، في الحفر الأفقي الحذر.
ظهر بسيطا مثل أي رجل آخر يمشي على الأرض. غير أنه لم يكن كذلك، بل كان جبلا إزاء قوة الجبل وصلابة الصخر، وطاقة جبارة إزاء قسوة الحجارة وجبروت التراب. ثم إذا هو يثير إليه الانتباه. ليس بقامته المتوسطة، ولونه الأسمر، وقميصه الأزرق، ورزَّته السوداء، بل بخطوته الملائكية الواثقة، التي سرعان ما زرعت الأمل في كل من حوله. لقد أعطى للقلوب، الواجفة، حقا في أن تفرح، بأن هناك إمكانية لإخراج ريان من محنته.
جاء عمي علي الجاجاوي، البالغ من العمر 66 سنة، متزوج، وأب لأربعة أبناء، إلى شفشاون قبل سنوات من منطقة أرفود، بالجنوب الشرقي للمملكة، مسقط رأسه، وحيث نشأ وكبر. وبشفشاون تعلم تطويع الصخر، وشق أغوار الأرض، بحثا عن الماء. وصار معروفا مثل نار على علم، كلما ظهر بسَمْتِهِ، وببَسْمَته، ليشعر الناس بالأمل. أليس الماء صنوا للأمل؟
يقول عمي الجاجاوي، في تصريح خص به موقع SNRTnews، إن هذه العملية لم تكن الأولى من نوعها التي يعيش على وقعها في حياته، بل سبق له أن شارك في محاولة لإنقاذ طفل كان عالقا بإحدى قرى أرفود، ونجا بفضل تدخله السريع لإخراجه من الجب الذي علق به.
خبر سي علي الصحراوي مهنة حفر الآبار منذ أزيد من 24 سنة، واكتسب بفضل ذلك تجربة طويلة في معرفة الأتربة والصخور والأغوار، ولغة المياه التي تحت الأرض. وهي الخبرة التي جعلت رجال الوقاية المدنية يستعينون به لقيادة آخر وأعقد مراحل إنقاذ الطفل ريان، تلك التي تتصل بالحفر باليدين، خشية أن تقع انهيارات ترابية، تفسد كل شيء، وتشكل خطرا على سلامة الجميع.
عندما انتهى عمل عمي علي الصحراوي، الذي راحت الحشود تصفق له وتتغنى باسمه، جلس القرفصاء مثلما تعود. هادئا، وديعا، مبتسما، وواثقا أيضا، مثلما كان دائما. وبينما كان الآخرون من حوله يحيونه على عمله البطولي، ويكبرون فيه جرأته، رغم صعوبة العملية وخطورتها، ظل يرد بابتسامة ستحفر نفسها في العقول إلى الأبد. ثم حين انتهى كل شيء، وراح يمشي إلى مستقره، ومن حوله حشود إعلامية، قال ببساطة إنه جاء ليؤدي واجبه إزاء الطفل ريان، وقدر الله وما شاء فعل.
أمضى عمي علي الصحراوي، الجاجاوي، أربعة أيام وهو يفكر، ويخمن، ثم ينبش ويحفر، على وقع الحذر، والتأني، والأمل في إنقاذ حياة طفل ملأ الدنيا وشغل الناس. وبينما كان الجميع، في المحيط، وفي المغرب، وفي العالم، منشغلون بالجديد، كان هو يصنع ذلك الجديد بيديه. فلا خوذة، ولا آليات خاصة، ولا شيء غير قلب أسد، في جسد رجل، بإيمان الصالحين المصلحين.
عمي علي، الجاجاوي، الصحراوي، أصبح أسطورة بالفعل. أيقونة مغربية جديدة، ستنضاف، مع مرور الوقت، إلى تلك التي تشكل منها تاريخ مملكة عظمى، حيث الرجال والنساء، معا، يعرفون كيف يلبون نداء الوطن، بدون تردد، وبكل جرأة وثقة. وحين ينتهي العمل الذي جاؤوا من أجله، ينسحبون، تاركين خلفهم قصصا لأولي الألباب، تقول إن المغرب الذي أزاح جبلا من أجل ابنه، ولاد للرجال والنساء الأبرار.
مقالات ذات صلة
مجتمع
رياضة
مجتمع
الأنشطة الملكية