اقتصاد
مدونة التجارة.. هل تُحقق العدالة بين الفاعلين الاقتصاديين؟
09/06/2025 - 16:47
وئام فراج
أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الاثنين الماضي بمجلس النواب، أن الوضع الحالي لمدونة التجارة يجعلها عائقا أمام التطور التجاري بالمغرب، مشيرا إلى أن هذه المدونة تحتاج إلى تعديلات ملموسة، خصوصا في الشق المتعلق بصعوبات المقاولة. فكيف تعيق مدونة التجارة عمل المقاولات؟ وما هي التعديلات المقترحة لتجويدها؟
يرى النائب الأول لرئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لسوس ماس، البشير أحشموض، أن مدونة التجارة المغربية، التي صدرت سنة 1996، كانت آنذاك خطوة متقدمة، إلا أنها اليوم أصبحت غير كافية لمواكبة التحولات الاقتصادية، والرقمية والاجتماعية التي يعرفها المغرب والعالم.
مساواة المقاولات الصغيرة بالكبرى
وأكد أحشموض، في تصريح لـSNRTnews، أن اقتصاد اليوم متغير وسريع، ويحتاج إلى إطار قانوني مرن، وحديث، ومحفّز لمختلف الأنشطة الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بأبرز الثغرات التي تعتري هذه المدونة، أوضح أحشموض أنها تتجلى أساسا في غياب إطار قانوني ينظم التجارة الإلكترونية، والعقود الذكية، والأصول الرقمية، فضلا عن مساواة المقاولات الصغيرة جدا بالكبرى في المعايير والواجبات، مما يُثقل كاهل المقاولات الصغرى ويُعيق تطورها.
كما أشار النائب الأول لرئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لسوس ماس إلى استمرار التجارة غير المهيكلة (80% من النشاط التجاري حسب تقارير رسمية) دون إدماج أو تحفيز حقيقي، بالإضافة إلى "فشل برامج" مثل المقاول الذاتي، بسبب غياب ضمانات اجتماعية واقتصادية كافية، ثم استمرار التعقيدات الإدارية، وبطء المساطر، وضعف كبير في الرقمنة الفعالة.
إعادة تعريف "التاجر"
وشدد أحشموض على أن مراجعة مدونة التجارة لا يجب أن تكون تقنية فقط، بل يجب أن تكون شاملة وتحمل فلسفة جديدة، مقترحا إعادة تعريف "التاجر" ليشمل أشكال النشاط الحديثة، والرقمية والموسمية.
كما أكد على ضرورة تسهيل التسجيل في السجل التجاري، وتحفيز إدماج القطاع غير المهيكل في إطار قانوني مشجع.
وأوضح أنه على غرار التجربة الكويتية والأنظمة المعمول بها في عدة دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، يجب أن يُربط التسجيل التجاري بالانتماء الإجباري لغرف التجارة والصناعة والخدمات، لضمان التمثيل، والتأطير، والمواكبة، مشيرا إلى أن هذا الربط يجعل من الغرف مؤسسات فاعلة، وليست مجرد هياكل إدارية.
من جهة أخرى، يرى أحشموض أنه بات من الضروري إدخال إصلاحات عميقة لقانون "المقاول الذاتي" بتوفير حماية اجتماعية وضريبية عادلة، بالإضافة إلى تبسيط ورقمنة كل المساطر المرتبطة بإنشاء المقاولات وتسوية النزاعات، ووضع آليات قانونية استباقية لإنقاذ المقاولات المتعثرة قبل بلوغ مرحلة الإفلاس، مع مراعاة خصوصيات المناطق، والقطاعات، خاصة في العالم القروي والأسواق التقليدية.
كما تطرق إلى أهمية إصلاح المحيط القضائي المواكب لهذه المدونة، عبر تفعيل مراكز التحكيم والوساطة داخل غرف التجارة، وتأهيل القضاة وأطر المحاكم التجارية والإدارية ليواكبوا المتغيرات الجديدة، واعتماد الرقمنة والتخلي عن المساطر المتجاوزة.
عدالة بين الفاعلين الاقتصاديين
من جهته، يرى رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، عبد الله الفركي، أن المغرب شهد تحولات هائلة في ميادين التجارة والاقتصاد، منذ إصدار مدونة التجارة المغربية، إلا أن هذه المدونة لم تخضع لتحديث شامل يواكب التطورات الراهنة، وفق تعبيره.
وأكد الفركي، في تصريح لـSNRTnews، أن هذا الجمود انعكس سلبا على فعالية المدونة، خصوصا بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى التي تعاني من صعوبات جمة في ظل غياب إطار قانوني مرن وواضح، مشيرا إلى أنه بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إصدار المدونة، بات من الضروري إعادة النظر في نصوصها لمواجهة التحديات الجديدة وضمان عدالة أكبر بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ويرى الفركي أن المقاولات تواجه العديد من المعيقات بسبب تقادم نصوص مدونة التجارة المغربية؛ من بينها اللغة المعقدة المستخدمة في النصوص القانونية والتي تزيد من صعوبة فهمها وتطبيقها، خصوصا عند صغار المقاولين والتجار، "مما يفتح المجال أمام استغلالها من قبل المقاولات الكبرى للتحايل والتهرب من التزاماتها القانونية".
كما أشار إلى ضعف الإطار التنظيمي وغياب آليات فعالة لتطبيق أحكام المدونة، مما يؤدي إلى عدم الاستقرار القانوني وصعوبة حل النزاعات التجارية، مبرزا أن هذه الفجوات القانونية تُضعف الثقة في النظام التجاري وتُسهِم في تمكين المقاولات الكبرى من السيطرة على المجال الاقتصادي على حساب المقاولات الصغرى.
وتطرق الفركي، في السياق ذاته، إلى "غموض غير مبرر في مفهوم الأصل التجاري"، كما تعتبر الشيكات بدون رصيد والكمبيالات، وفق المتحدث ذاته، من أبرز الإشكاليات القانونية والاقتصادية في المغرب، حيث يمكن أن تُعيق سير المعاملات التجارية.
ويتم استغلال هذه الظاهرة أحيانا للاحتيال على المقاولين الصغار، حسب تعبيره، مشيرا إلى أن هذا السلوك يؤثر سلبا على الثقة المتبادلة بين المقاولين والتجار، ويُشجع على الاعتماد على المعاملات النقدية (الكاش)، مما يُسهم في التهرب الضريبي.
الحاجة إلى التحديث
وأكد الفركي أنه لمواكبة العصر، أصبح لزاما تحديث المدونة بشكل دوري لتعكس التغيرات السريعة في عالم الأعمال، وذلك عبر تبسيط اللغة القانونية وجعل النصوص واضحة ودقيقة من أجل تعزيز الفهم وتطبيق القوانين بعدالة.
كما ينبغي، وفق الفركي، إدراج بنود خاصة بالتجارة الإلكترونية والرقمنة، وتطوير آليات فعالة لحل النزاعات التجارية، بما يضمن حقوق المقاولات الصغيرة ويُسهم في خلق بيئة أعمال أكثر عدالة.
ومن الضروري أيضا توضيح الجوانب التنظيمية وتقليل مجال التفسيرات القضائية، إلى جانب تنسيق المدونة مع القوانين الأخرى مثل قانون الضرائب وقانون العمل لتجنب التعارضات.
أما على مستوى التطبيق، يؤكد رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، أن إتاحة المجال للتجريب في بعض جوانب المدونة سيُشجع على الابتكار ويُسهم في تحسين البيئة القانونية، خصوصا في مجال المعاملات بالشيك والكمبيالات وغيرها، بهدف إعطاء الثقة في كل آليات الدفع والتعاملات التجارية.
واعتبر، في ختام حديثه، أن تحديث مدونة التجارة المغربية لم يعد خيارا بل ضرورة ملحة لتعزيز بيئة الأعمال وضمان العدالة بين كافة الفاعلين الاقتصاديين، وذلك من خلال معالجة النقائص الحالية وتنفيذ توصيات شاملة، تمكن من دعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى، وتحقيق نقلة نوعية في النظام الاقتصادي والتجاري المغربي، بما يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية العالمية.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
سياسة