فن وثقافة
المواسم وعشاق التبوريدة في حداد على رحيل التهامي "مول الكلة"
10/07/2025 - 14:59
مراد كراخي
فقدت ساحة "التبوريدة" المغربية أحد أيقوناتها الشعبية، برحيل التهامي ماشرو (با التهامي)، المعروف لدى الجمهور باسم "مول الكلة"، أحد رموز الذاكرة الشفوية والتعبيرات الفولكلورية المرتبطة بفن الفروسية التقليدية.
"با التهامي"، كما يناديه أصحاب الخيل وعشاق التبوريدة، لم يكن فارسا ولا مقدم سربة، لكنه كان أكثر من ذلك بكثير؛ كان ذاكرة شعبية متجولة، وضميرا وجدانيا لتراث الفروسية المغربية.
ابن سبت جزولة بإقليم آسفي، نشأ في كنف الخيول، وسط غبار "الهدة" وعبق البارود. لم تعل قامته صهوة فرس، لكنه اعتلى صهوة القلوب. كان يحضر كل موسم وكل عرض، لا بسلاحه، بل بروحه، وحماسته، وابتكاره الشعبي الفطري، الذي جعله رمزا لا ينسى في ذاكرة التبوريدة المغربية.
اشتهر "با التهامي" بعادة فريدة: تكريم الطلقات المتقنة بكسر جرة طينية (قلة أو كنبورة) مملوءة بالماء، في طقس فولكلوري يحيل إلى مزيج من الرمزية والقوة والانبهار. هذه الإيماءة البسيطة تحولت إلى علامة مسجلة باسمه، وطقس انتقل من العفوية إلى التراث.
ورغم تقدمه في السن، ظل مواظبا على حضور المواسم، محتفلا بـ"الباردية"، مهرولا في جنبات "المحرك"، وأحيانا وسطه، معبرا عن فرحه الطفولي بلوحات التخريجات المتقنة، التي يتلقاها بزهو غير محدود.
وفي شهادة للكاتب والباحث في تراث التبوريدة، أحمد فردوس، قال: "نزل الخبر الأليم كالصاعقة على قلوبنا نحن عشاق التبوريدة، حين تلقينا فاجعة فقدان رجل مَحَارِكْ فن وتراث التبوريدة. ودّعنا أيقونة 'المحارك'، الذي استطاع، ببساطة الفلاح وعلو كعب المبدع، أن يصنع الفرجة، ويربط علاقات طيبة مع كل عَلَّامة الخيل من الشمال إلى الجنوب".
ويضيف فردوس، في تصريح لـSNRTnews، أن الراحل "لم يكن مجرد جزء من المشهد، بل كان واحدا من مكونات عُدَّة الخيل والبارود، وسفيرا حقيقيا للتراث اللامادي".
وعن ولع الراحل بحب الخيل وامتهان رقصة "الـْﯕَنْبُورَةْ" يقول فردوس أن "أَبَا التّْهَامِي حكا في إحدى جلساتنا الخاصة في حضرة عشاق الخيل والبارود ما يلي: كُنْتْ مَازَالْ طِفْلْ صغير. مْشِيتْ مْعَ اَلْوَالِدْ لِلْمُوسَمْ...إِيوَا يَا سِيدِي عْلِيكْ خَرْجْ بَارُودْ مْكَاحَلْ سَرْبَةْ اَلْخَيْلْ مْسَاوْيِينْ مِيزَانْ. هُوَ يْگولْ لٍيَّا اَلْوَالِيدْ: نَوضْ السِّي التّهَامِي هَزْ هَادِيكْ اَلْـﯕَنْبُورَةْ وْهَرَّسْهَا بِمَاهَ ﯕُدَّامْ عَلَّامْ واَلْخَيْلْ. أُو كَانَتْ هَاذِيكْ هِيَّ اَلْمَرَّةْ الأُوْلَى الِّلي هَرَّسْتْ اَلْـﯕُلَّةْ ﯕُدَّامْ اَلْجَمْهُورْ".
وعن لقائه الأخير مع الراحل، قال فردوس: "بعد إجرائه لعملية جراحية كللت بالنجاح، كان لقائي الأخير مع الرجل على هامش إقصائيات مدينة الشماعية المؤدية لإقصائيات دار السلام برسم سنة 2025، حيث تم تكريمه، وقدمته كشخصية مؤثرة في عالم التبوريدة أمام الحضور. ورغم المرض، كانت الابتسامة لا تفارق محياه، وكان يشعر بأنه وسط أهله وأحبابه ورفاقه الذين يتقاسم معهم عشق الخيل والبارود".
وقد حرصت لجنة تنشيط عروض التبوريدة الوطنية، التي كان فردوس أحد أعضائها، على توثيق حضور "با التهامي" تلفزيونيا، وهو ما توج بمشاركته في برنامج "عْيُوطْ وَمْكَاحَلْ"، الذي يبث على قناة "الأولى" ويقدمه الإعلامي محمد عاطر.
وفي رثائه للراحل، قال محمد عاطر: "المواسم ستعيش في عز نشاطاتها يتماً حقيقياً بفقدانها واحداً من صُنّاع الفرجة داخلها... اسم 'با التهامي' سيظل موشوماً في ذاكرة كل المهووسين بعالم التبوريدة".
وأضاف: "كان لي شرف تنشيط أولى حلقات البرنامج، وقد أثّت إحدى فقراتها الراحل بكسر الجرات، احتفاءً بمقدم السربة كلما كانت الطلقة 'ساروت واحد'. كانت طريقته الخاصة في إعلان إعجابه وتكريمه للفرسان".
سيظل "مول الكلة" في ذاكرة التبوريدة المغربية ليس كشخص فقط، بل كحالة وجدانية وثقافية اختزلت عمق الارتباط بين المغاربة وفنهم الأصيل. رحل با التهامي، لكنه ترك وراءه صدى "الهدة"، ووهج التخريجة، وذاكرة لا تمحى.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
مجتمع
فن و ثقافة