فن وثقافة
صهريج السواني.. معلمة مائية بصمت تاريخ مكناس الدفاعي
24/08/2025 - 11:12
خولة ازنيزني | محمد شافعيحين تكتمل الرؤية السياسية ببعد استباقي يؤمن المدينة في أزمنة الرخاء كما في أوقات الشدة، تولد معالم تجسد الحكمة أكثر مما تعكس البذخ، ويتحول المعمار إلى شواهد على بعد نظر الدولة في حماية ساكنتها. هكذا يبدو صهريج السواني بمكناس؛ واحدا من المعالم التي لم تُبنَ فقط لتبهر كخزان ضخم للماء، بل كأحد أركان منظومة متكاملة وضعها السلطان المولى إسماعيل لضمان حياة مستقرة وآمنة لعاصمة ملكه، قادرة على الصمود أمام الحصار، والجفاف، وتقلبات الزمن، لتكون معلمة تكمل سلسلة من المواقع التاريخية التي شيدتها السلالات المتعاقبة على حكم البلاد، لتجسد فصولا من العمق الحضاري المغربي، ما يزال يذكر ويدرَس حتى اليوم.
يقع صهريج السواني جنوب القصر الملكي، على بعد أمتار من ساحة المشور، ويعد من بين أضخم وأهم المآثر التاريخية بمكناس، وأحد أكبر الخزانات المائية التاريخية في المغرب.
شيدت هذه المعلمة المائية في نهاية القرن السابع عشر الميلادي (القرن 11 الهجري)، وجاءت تتويجا لمجهود هندسي مائي استثنائي هدف إلى ضمان تزويد قصور مكناس ومساجدها وحماماتها، بل ومنازلها.
واقترن اسمه بالآبار ذات الدواليب التي كانت تعرف بـ"السواني"، ومن هنا جاءت تسميته بـ"صهريج السواني".
يمتد الصهريج على مساحة تقارب 4,5 هكتارات، بأبعاد تقارب 350 مترا طولا و180 مترا عرضا، وعمق يتراوح بين 2,5 و5 أمتار، ما يجعله أشبه ببحيرات الأطلس المتوسط جنوب المدينة.
وقد زود بالماء عبر منظومتين: الأولى عبر عيون نهر بوفكران، والثانية بواسطة شبكة من عشر نواعير مرتبطة بآبار محفورة أسفل ما يعرف بـ"دار الماء"، وهي بناية عالية بجوار الصهريج كانت تضم السواني التي تضخ المياه نحو البركة.
وبحسب إدريس العلوي، المفتش الجهوي للمباني التاريخية بجهة فاس مكناس، فإن صهريج السواني هو "خزان استراتيجي لتأمين مخزون المدينة من الماء، للاستعداد للحروب أو فترات الجفاف، ولسقي مختلف البساتين والحدائق التي تميز مكناس".
كما استخدم هذا الصهريج للنزهة والانبساط، حيث كانت تجري فيه القوارب، واستعمل لتدريب الجنود على السباحة.
ويضيف العلوي، في تصريحه لـSNRTnews، أن بناء هذا الصهريج يعكس حنكة المولى إسماعيل، الذي لم يكتف بتشييد القصور، بل حرص على تأمين المدينة من حيث الضروريات الحيوية، وذلك ببناء منظومة مائية متكاملة انطلقت من جلب الماء من عيون نهر بوفكران، الواقع على بعد 17 كيلومترا من مكناس، وتعززت بـ"هري السواني"، وهو معلمة معمارية أخرى لعبت دورا محوريا في المنظومة الدفاعية الغذائية للمدينة.
ويفيد العلوي أن هذا المخزن، الذي سمي بـ"الهري"، بني لتخزين الحبوب، إذ ينقسم المبنى إلى عدة غرف، أكبرها يزيد طولها عن 26 مترًا وعرضها 10 أمتار وارتفاعها 9 أمتار، بجدران يبلغ سمكها 4 أمتار، مما يسمح للغرف بالحفاظ على درجة حرارة ثابتة، مثالية لحفظ الطعام. كما زُوّدت المخازن بآبار كانت تُستخدم سابقًا لتوفير المياه والحفاظ على مستوى حوض السواني.
وقد عرف صهريج السواني، خلال السنوات الأخيرة، أشغال ترميم كبرى دامت أكثر من خمس سنوات، ضمن برنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة (2019-2023)، شملت معالم أخرى من قبيل باب منصور، وساحة الهديم، والأسوار التاريخية.
وشملت الأشغال إعادة ضخ الماء في الصهريج، وتهيئة محيطه، ليعود إلى رونقه الجمالي، متنفسا لساكنة مكناس الذين يقصدونه سعيا وراء برودة الجو خلال الصيف، وموقعا لاستقطاب السياح الذين يزورون المدينة، وفضاء ثقافيا يعكس جزءا من العبقرية الإسماعيلية.
وعن أهمية المعلمة في السياق الحضاري العام للمدينة، يؤكد إدريس العلوي أن الحديث عن حاضرة مكناس هو حديث عن العمق الثقافي والتاريخي للمغرب، فهي مدينة عرفت تراكما حضاريا وعمرانيا متواصلا، وكل دولة مرت بها تركت بصمتها، مشيرا إلى أن المشروع الإسماعيلي كان يستهدف جعل مكناس تضاهي كبريات الحواضر الإسلامية كدمشق، والقاهرة، وأنطاكيا.
ويختم العلوي بالقول إن صهريج السواني، إلى جانب هري السواني ودار الماء، لا يمكن النظر إليه فقط كموقع أثري أو بركة مائية، بل كمخطط متكامل يجسد ذكاء الدولة في تأمين مواردها الحيوية، وتنظيم حياة سكانها، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في أوقات الشدة، وهو ما يجعل هذه المعلمة شاهدا حيا على رؤية عمرانية ودفاعية متقدمة، ما تزال تثير الإعجاب حتى اليوم.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
مجتمع
مجتمع