سياسة
من النقاش السياسي التلفزيوني إلى حرب الذباب الإلكتروني
29/03/2026 - 14:03
جمال الخنوسي
يبدو أن الصراع الانتخابي انطلق مبكرا في المغرب. فمنذ أشهر، بدأت تطفو على السطح صراعات تجاوزت خلافات الأغلبية والمعارضة، وامتدت إلى داخل مكونات الحكومة نفسها التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار. الأمر الذي يعكس بداية مبكرة لمناخ انتخابي متوتر.
ومع اقتراب موعد الانتخابات تزداد حدة الصراع والنقاش السياسي باعتباره امتدادا للنقاش المجتمعي الذي لا تحكمه تواريخ أو مناسبات محددة. وبالنظر للانتشار الكبير للتلفزيون وتأثيراته، والقيمة الاعتبارية، والجاذبية التي تتمتع بها القنوات التلفزيونية، تبقى البرامج الحوارية السياسية أفضل "أغورا" لتبادل الأفكار.
إن النقاش السياسي التلفزيوني، أو ما يحلو للبعض تسميته "مناظرة"، أمر إيجابي ومؤشر صحي لا يمكن تجاوزه. حيث تدخل الأحزاب ووجوهها البارزة بيوت المغاربة من أجل عرض أفكارها واستعراض برامجها، ولم لا تدخل في نقاش مع الرأي المختلف والعَرض الآخر. وبالتالي يكون للمواطن جميع الأوراق والمعطيات من أجل الاختيار والادلاء بصوته يوم الحسم.
لكن وافدا جديدا قديما أصبح يلعب دورا غير طبيعي في هذه المعادلة الدقيقة. وهي شبكات التواصل الاجتماعي. فالملاحظ اليوم مع نهاية بث البرامج السياسية الحوارية على القناة الأولى مثلا مع "نقطة إلى السطر" الذي تقدمه صباح بن داود وعبد الله لشكر، أو على القناة الثانية مع البرنامج الجديد "ساعة الصراحة" الذي يقدمه جامع كلحسن وسناء رحيمي،
يمتد هذا النقاش إلى شبكات التواصل الاجتماعي. ويكفي هنا تتبع التعليقات التي تعقب البث لرصد الانتقال من منطق الحجاج، ومواجهة المشروع بالمشروع إلى منطق التخوين والسخرية الشخصية، واجتزاء المواقف في فيديوهات قصيرة جدا خارج سياقها. إنه انتقال محفوف بالمخاطر، يهدم بالفعل أسس النقاش السياسي الديمقراطي.
لماذا؟
لأن التلفزيون، يخضع لقواعد واضحة؛ بينما تتحرك المنصات بمنطق السرعة والتفاعل والانفعال. فالمشكلة لا تكمن في انتقال النقاش السياسي إلى الفضاء الرقمي، بل في انتقاله دون ضوابط مهنية وأخلاقية تكفل التوازن والإنصاف.
إن النقاش التلفزيوني في المغرب مسيج بقوانين وقواعد مرتبطة بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزيون وبدورها الأساسي القائم على تأطير النقاشات السياسية، من خلال إعداد برامج حوارية وإخبارية تراعي تقسيم زمن التدخل بين الفاعلين السياسيين، وفق معايير التمثيلية والانصاف.
وبدورها تعتمد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري آليات عملية لضبط هذا التعدد، أبرزها قياس وتتبع زمن تدخل مختلف الفاعلين السياسيين داخل البرامج، وفق قواعد قانونية محددة. وتراقب احترام معايير الإنصاف والتوازن والتمثيلية، سواء في الفترات العادية أو خلال الانتخابات. وفي الوقت نفسه، تحرص على التوفيق بين حرية التحرير الإعلامي ومسؤولية احترام التعددية، بما يمنع التحيز ويعزز استقلالية وسائل الإعلام.
في المقابل، شبكات التواصل الاجتماعي غابة بلا حسيب ولا رقيب، ولا أخلاقيات تؤطرها أو قوانين تسيجها. ساحة وغى مفتوحة على كل الخطابات وكل الاحتمالات. من الحسابات المعروفة الهوية إلى ذباب الكتروني يحاول توجيه الرأي العام نحو انتصار وهمي لهذا الطرف أو ذاك.
وهذا ما نلاحظه بشكل جلي في التعابير والتوصيفات المستعملة. فالتلفزيون يستعمل لغة النقاش السياسي في حين شبكات التواصل الاجتماعي تستعمل لغة الحرب (يهزم، يحطم، ...)، حيث يصبح الانتصار الرقمي بديلا زائفا عن الإقناع الديمقراطي.
وفي كثير من الأحيان، تصيب سهام هذه العنتريات الافتراضية التلفزيون العمومي نفسه لنسمع مثلا: من رشح "هذا الفتى" ليناقش سياسيا كبيرا.. أو بالعكس ممارسة نوع من الديكتاتورية الشبابية بالقول: لماذا يقبل التلفزيون استضافة الديناصورات الحزبية؟
لقد كان من الممكن أن تكون شبكات التواصل الاجتماعي امتدادا للنقاش السياسي والنقاش المجتمعي ككل. فقد كان لها الفضل في فتح قنوات للتعبير والحوار وأصبحت مع مرور السنوات المرآة الأكثر تعبيرا عن قلق المجتمعات وتحولاتها.
لكن مع ذلك، لم تنجح دائما في تحويل هذا الاتساع إلى نقاش عمومي ناضج، أقل انفعالا وأكثر التزاما بقواعد الاختلاف الديمقراطي. فكيف يمكن التواصل وسط الزعيق أو البناء داخل الفوضى؟ فشبكات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك منصة يحكمها قانون الغاب، فإذا كان التلفزيون فضاء يتواجه فيه المتدخلون بالحجج داخل زمن مضبوط، فإن الفضاء الأزرق يحول الخلاف إلى تعبئة رقمية تقيس الانتصار بعدد التفاعلات لا بقوة الأفكار.
أكثر من هذا يشجع فايسبوك على الحقد والكراهية ويكافئ التطرف والبوليميك رغبة منه في جذب المزيد من التفاعل من خلال خوارزمياته اللعينة..
وتلك حكاية أخرى.
جمال الخنوسي
مقالات ذات صلة
سياسة
تكنولوجيا
عالم
سياسة