سياسة
المؤثرون والسياسة: نحو جيل جديد من قادة الرأي؟
09/04/2026 - 14:39
خولة بنحدو
قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأ عدد من المؤثرين يحضرون في النقاش العمومي.
على منصات التواصل الاجتماعي، تُكثف هذه الوجوه الجديدة من إنتاج محتوى يهدف إلى تعبئة الشباب، وتشجيعهم على المشاركة المواطنة، وتوعيتهم بالقضايا السياسية. ويُفسر هذا الحضور، حسب مختصين، بغياب خطاب سياسي ملائم لفئة الشباب، ما يترك فراغا يملؤه صناع المحتوى بمرونة وفاعلية.
بودكاست، مقابلات، منشورات على الشبكات الاجتماعية… كل الوسائل أصبحت متاحة للتعبير عن الرأي و"توعية" الشباب بالسياسة. لكن، هل يمكن لهؤلاء المؤثرين أن يكتسبوا فعلا صفة قادة رأي؟ ترى دليلة لعودي، أستاذة بجامعة الحسن الثاني وعضو في حزب سياسي، أن الإجابة تحتاج إلى قدر من التوازن.
أسطورة الأرقام
خلافا لما هو شائع، فإن عدد المشاهدات أو المتابعين لا يكفي لتحديد من هو قائد الرأي، فحسب الخبيرة: "هناك ميل للاعتقاد بأن قائد الرأي هو من يحقق أكبر عدد من المشاهدات، غير أن هذا المؤشر يختلف بحسب الرسالة والجمهور المستهدف".
وأضافت أنه "في مجالات مثل التسويق، قد تكون هذه الشعبية مؤشرا مباشرا على التأثير. أما في السياسة، فالأمر يرتبط بعوامل أكثر تعقيدا مثل المصداقية، والانسجام، والخبرة، والمكانة الاجتماعية. بعبارة أخرى، فإن التأثير الحقيقي يتجاوز بكثير الأرقام الرقمية".
"محفزون على التفكير" أكثر من قادة رأي
في المجال السياسي، تفضل دليلة لعودي استخدام مصطلح "محفزون على التفكير" بدلا من "قادة رأي". فالمؤثرون، بحسبها، يساهمون أساسا في تغذية النقاش أكثر من توجيه الاختيارات السياسية بشكل مباشر.
وتكمن قوتهم في قدرتهم على تقديم زوايا تحليل جديدة، مثل ربط الأحداث بسياقها التاريخي، أو إجراء مقارنات دولية، أو نشر معلومات لا تحظى بتغطية كافية في الإعلام التقليدي. "غير أن هذه الحرية قد تحمل جانبا سلبيا، إذ إن غياب التحقق الصارم من المصادر قد يؤدي إلى انتشار الأخبار الزائفة أو حملات التضليل".
مؤثر ملتزم مقابل ناشط تقليدي
من جهة أخرى، تؤكد لعودي أن "التمييز بين المؤثر الملتزم والفاعل السياسي التقليدي يظل أساسيا، مشيرة إلى أن "المؤثر الموثوق هو مناضل من أجل الفكر والمعلومة"، حيث يسعى إلى إثارة النقاش وطرح الأسئلة دون الدعوة المباشرة إلى الفعل، في المقابل، "يجمع الناشط التقليدي بين التفكير والممارسة الميدانية، من خلال الاحتجاجات، واللقاءات مع صناع القرار، وبناء الشبكات".
شباب منجذب… أحيانا بشكل خاطئ
وحسب الأستاذة الجامعية، يولي الشباب اهتماما خاصا بالمؤثرين، ويرجع ذلك أساسا إلى عامل القرب. "فالأسلوب، واللغة، والإحساس بالصدق يلعب دورا حاسما في هذا التفاعل".
وتوضح الخبيرة أن "الشباب اليوم أكثر تأثرا بالصورة والصوت والشخصية مقارنة بالمحتوى نفسه"، مضيفة أن كسب ثقتهم أصبح صعبا دون المرور عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يشعر الشباب بقرب أكبر من شخص يتقاسم معهم نفس الأسلوب واللغة ويبدو جريئا، أكثر من قربهم من سياسي تقليدي.
وتشير إلى أن تحركات حديثة أظهرت أن دعوات تُطلق عبر الإنترنت، حتى وإن كانت مجهولة المصدر، قد تحقق تعبئة أكبر من تلك التي تقودها الأحزاب أو النقابات.
بين الفرص والانحرافات
على صعيد آخر، أكدت لعودي أن هذا النمط الجديد من التأثير لا يخلو من المخاطر. "فإذا تم تأطيره بشكل جيد، يمكن أن يشكل رافعة قوية للتغيير السريع والفعال، كما أظهرت بعض الحركات الدولية التي أثرت في الرأي العام والتشريعات".
"لكن في المقابل، فإن مستوى الوعي، وقدرة الشباب على تحليل المعلومات، وسرعة تدفقها، كلها عوامل قد تزيد من قابليتهم للتأثر، سواء بالإيجاب أو السلب. ما يطرح مخاطر مثل التضليل، والتلقين، وردود الفعل المفرطة، إضافة إلى التأثيرات المحتملة على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي".
أمام هذه التحولات، تجد المؤسسات السياسية نفسها مضطرة للتكيف. ويتطلب ذلك إعادة النظر في طرق التواصل، عبر تطوير خطاب أقرب إلى الشباب، ومحتوى يتماشى مع اهتماماتهم ولغتهم، دون التفريط في القيم الأخلاقية والمسؤولية المدنية.
ماذا عن المغرب؟
في المغرب، يبدو أن هذا التحول قد بدأ بالفعل. فبعض الأحزاب السياسية تستثمر في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال صيغ مبتكرة تحقق نسب تفاعل متزايدة. غير أن الطريق لا يزال طويلا، سواء على المستوى التشريعي لتأطير هذه الممارسات، أو على المستوى التقني لمواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات.
وقد لا يكون المؤثرون قد بلغوا بعدُ مكانة قادة الرأي بالمعنى التقليدي، لكنهم بلا شك يعيدون تشكيل ملامح النقاش العمومي.
ويبقى السؤال المطروح: هل سيتمكن هذا الشكل الجديد من التأثير من الاستقرار ضمن إطار مسؤول، أم سيظل يتأرجح بين الانخراط المدني والانزلاقات الرقمية؟
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة