مجتمع
المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يسجل ملاحظات على مشروع قانون العدول
23/04/2026 - 17:12
خولة ازنيزني
قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مجموعة من الملاحظات بخصوص مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، وذلك بعد إحالته من طرف مجلس النواب لإبداء الرأي بشأنه، في سياق نقاش مهني وتشريعي متواصل حول مضامين المشروع الذي مازال يثير ردود فعل متباينة داخل الأوساط المهنية.
ويأتي ذلك في وقت صادقت فيه لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، يوم الاثنين 20 أبريل 2026، على المشروع، في حين يواصل عدد من المهنيين التعبير عن رفضهم لبعض المقتضيات التي تضمنها النص.
وأوضح المجلس، استنادا إلى مخرجات جلسات الإنصات التي نظمها مع مهنيين وخبراء في المجال، أن الارتقاء بمنظومة التوثيق العدلي يمر أساسا عبر تعزيز استقلالية مهنة العدول وترسيخ المسؤولية المهنية الفردية للعدل، بما يساهم في تعزيز الثقة في المحررات العدلية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ازدواجية التوثيق
وسجل المجلس أن المغرب يتميز بوجود منظومتين متكاملتين للتوثيق، هما التوثيق العدلي والتوثيق العصري، معتبرا أن استمرار هذه الازدواجية لا يشكل إشكالا في حد ذاته ما دامت كل منظومة تحتفظ بمجالات اختصاص واضحة، إلى جانب اختصاصات مشتركة، بما يتيح للمواطنين اختيار الجهة التي يلجؤون إليها للحصول على خدمة توثيقية موثوقة.
وفي هذا السياق، شدد المجلس على ضرورة أن تضمن المنظومة التشريعية والتنظيمية شروط ممارسة مهنية لائقة لجميع الفاعلين في المجال، مع صون الوضع الاعتباري لكل مهنة وضمان قواعد المنافسة الشريفة والتكافؤ بين مهنيي التوثيق.
ملاحظات حول منهجية الإصلاح
ومن بين الملاحظات التي أثارها المجلس، غياب دراسة أثر ترافق مشروع القانون الجديد، رغم أن النص لا يقتصر على تعديل جزئي بل يشكل تحولا عميقا في تنظيم مهنة العدول ومكانتها داخل منظومة العدالة.
واعتبر المجلس أن توجه المشرع نحو إعداد إطار تشريعي جديد دون تقديم دوافع موضوعية مدعومة بمعطيات ملموسة تبرر النسخ الكلي للإطار القانوني الحالي، خاصة القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة، يعكس مقاربة في تدبير الإصلاحات التشريعية لا تقوم على تقييم دقيق لحصيلة تطبيق القوانين الجاري بها العمل.
وأشار، في هذا السياق، إلى أن إصلاح التشريعات، وفق المرجعيات الدولية المعتمدة لدى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ينبغي أن ينطلق من تقييم موضوعي للقوانين القائمة، وقياس آثارها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية قبل اقتراح أي تعديل عليها.
إحالات عديدة على نصوص تنظيمية
ومن بين النقاط التي أثارت انتباه المجلس أيضا، إحالة مشروع القانون على عدد كبير من النصوص التنظيمية دون تحديد جدول زمني واضح لإصدارها.
وحذر المجلس من أن المشروع يحيل على ما يقارب 18 نصا تنظيميا، بينما تشير الصيغة المصادق عليها في مجلس النواب إلى ما يصل إلى 21 نصا تنظيميا، وهو ما قد يؤدي إلى تعطيل عدد من المقتضيات الأساسية في حال تأخر إصدار هذه النصوص.
ويهم ذلك مجالات أساسية مثل التكوين المستمر للعدول، والمنصة الرقمية لحفظ الوثائق، وتأمين المسؤولية المدنية المهنية، فضلا عن إجراءات تتعلق بتأسيس ملكية العقارات غير المحفظة.
استمرار آليات تقليدية
كما سجل المجلس استمرار اعتماد عدد من الآليات التقليدية في مشروع القانون، والتي ما تزال تثير نقاشا داخل الأوساط المهنية، من بينها آلية “خطاب القاضي”، وقاعدة “ثنائية التلقي”، إضافة إلى “شهادة اللفيف”.
وأوضح المجلس أن آلية خطاب القاضي، التي تقوم على مراقبة القاضي المكلف بالتوثيق للعقود بعد تحريرها قبل إضفاء الصفة الرسمية عليها، تعد من الخصوصيات التي تميز نظام التوثيق العدلي في المغرب مقارنة مع معظم الأنظمة التوثيقية في بلدان أخرى، حيث يتم عادة إضفاء الصفة الرسمية على المحرر التوثيقي مباشرة دون حاجة لاعتماد قضائي مسبق.
ويرى المجلس أن تعدد المراحل الإجرائية المرتبطة بهذه الآلية قد يؤدي إلى إبطاء إنجاز العقود وتأخير آثارها القانونية، في وقت تتجه فيه الأنظمة التوثيقية الحديثة إلى تعزيز المسؤولية المهنية المباشرة للموثقين وتبسيط المساطر.
إشكالات شهادة اللفيف
وبخصوص شهادة اللفيف، التي تعتمد على شهادة جماعة من الأشخاص لإثبات بعض الوقائع، أشار المجلس إلى أن المشروع أبقى على شرط اثني عشر شاهدا، وهو ما يطرح صعوبات عملية في حشد هذا العدد، خاصة في ظل التحولات الديمغرافية التي يعرفها المجتمع المغربي، مثل تقلص الامتداد الأسري وتراجع الكثافة السكانية في بعض المناطق القروية.
ورغم إدراج المشروع لمقتضيات جديدة لتنظيم هذه الآلية، فإن المجلس يرى أن تعميم التحفيظ العقاري ورقمنة نظام الحالة المدنية يمكن أن يحد تدريجيا من اللجوء إلى شهادة اللفيف، مع تعزيز وسائل إثبات أكثر انسجاما مع متطلبات الأمن القانوني.
ثنائية التلقي
كما توقف المجلس عند قاعدة “ثنائية التلقي”، التي تشترط مشاركة عدلين اثنين في تحرير الشهادات والعقود، خلافا لأنظمة التوثيق الحديثة التي تعتمد الممارسة الفردية.
ويرى المجلس أن الإبقاء على هذه القاعدة قد يطرح صعوبات عملية في بعض الحالات، ويجعل بعض المعاملات أكثر تعقيدا مقارنة بالتوثيق العصري الذي ينجز العملية بموثق واحد، وهو ما يثير أيضا مسألة تكافؤ الفرص المهنية بين مهنيي التوثيق.
غياب آلية لتدبير الودائع
من جهة أخرى، سجل المجلس غياب مقتضيات صريحة في مشروع القانون تتعلق بتدبير الودائع المرتبطة ببعض المعاملات، مشيرا إلى أن تأخر استكمال الإجراءات المرتبطة بالعقود العدلية، سواء بسبب خطاب القاضي أو إجراءات التسجيل، قد ينعكس سلبا على حقوق المتعاقدين، خاصة في المعاملات المرتبطة بالعقار أو الأصول التجارية.
وفي هذا السياق، دعا المجلس إلى إقرار آلية مؤطرة لتدبير الودائع تضمن حماية حقوق الأطراف إلى حين استكمال المساطر القانونية، انسجاما مع توصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة.
وبشكل عام، شدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على أن تحديث مهنة العدول يقتضي مقاربة تشريعية شمولية تقوم على التقييم الموضوعي للتجارب السابقة، وتعزيز استقلالية المهنة، وتبسيط المساطر، إلى جانب توظيف الرقمنة بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب.
توصيات المجلس
قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مجموعة من التوصيات الرامية إلى تطوير منظومة التوثيق العدلي وتحديث مهنة العدول.
فقد دعا إلى إرفاق مشروع القانون بدراسة للأثر تقوم على تشخيص دقيق لواقع التوثيق العدلي، مع التعجيل بإصدار النصوص التنظيمية المرتبطة بتنزيله، خاصة تلك المتعلقة بالرقمنة والتكوين والتأمين عن المسؤولية المدنية المهنية.
كما أوصى المجلس بتعزيز استقلالية العدول بشكل تدريجي، ومراجعة شروط الولوج إلى المهنة بما يرفع من مستوى التأهيل العلمي، إلى جانب اعتماد استراتيجية للتكوين المستمر، وتعزيز تمثيلية النساء داخل الهيئات المهنية.
وفي ما يخص التحول الرقمي، شدد المجلس على ضرورة تسريع رقمنة خدمات التوثيق العدلي، وإحداث منصة رقمية لتدبير الوثائق والعقود، مع توظيف أدوات رقمية حديثة لتحسين جودة الخدمات وتسريع معالجة الملفات.
كما دعا إلى تحديث بعض آليات التوثيق العدلي، من بينها مراجعة كيفية العمل بشهادة اللفيف بما يراعي التحولات الاجتماعية، والتنصيص الصريح على قبول شهادة المرأة ضمنها، فضلا عن إقرار آلية للطعن في قرارات الامتناع عن خطاب القاضي، وتمكين العدول من آلية مؤطرة لتدبير الودائع بما يضمن حماية حقوق المتعاقدين.
مقالات ذات صلة
مجتمع
واش بصح
مجتمع
مجتمع