مجتمع
هل "المؤثرون" مدمجون في المنظومة الجبائية المغربية؟
12/05/2026 - 21:13
يونس أباعلي
كشفت وزارة الاقتصاد والمالية عن توجه نحو إدماج المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي والتجارة الإلكترونية ضمن المنظومة الجبائية، عبر إخضاع مختلف المداخيل المحققة على منصات التواصل الاجتماعي للضريبة، وفق القواعد العامة المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب والاتفاقيات الدولية لتفادي الازدواج الضريبي.
وأكدت الوزارة، ضمن جواب لها عن سؤال للفريق الحركي بمجل النواب، أن المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، سواء كانوا يتوفرون على مقر بالمغرب أو يمارسون أنشطتهم من الخارج، يخضعون للضريبة على الدخل متى كانوا يحققون مداخيل مرتبطة بأنشطة أو خدمات موجهة إلى السوق المغربية، مشيرة إلى أن هذه الفئة مطالبة بالتصريح بهويتها الضريبية لدى مصالح المديرية العامة للضرائب، مع الإدلاء السنوي بتصريحات المداخيل وأداء الواجبات المستحقة إلكترونيا.
ويأتي هذا التوجه في سياق سعي الحكومة إلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء اقتصادي وتجاري يدر مداخيل مهمة من الإعلانات والشراكات التجارية والتسويق الرقمي.
اليوتيوبرز والبلوكرز تحت مجهر الضرائب
أوضحت الوزارة أن جميع الأشخاص الذاتيين أو الاعتباريين الذين يزاولون نشاطا مهنيا أو تجاريا أو خدماتيا بالمغرب، يخضعون إما للضريبة على الشركات أو للضريبة على الدخل وفق النظام الجبائي الجاري به العمل.
كما شددت على أن التجارة الإلكترونية أصبحت بدورها خاضعة للضريبة على القيمة المضافة بالنسبة للتجار الذين يساوي رقم معاملاتهم السنوي مليوني درهم أو يفوقه، فيما تخضع خدمات الإعلانات الرقمية المقدمة عبر المواقع الإلكترونية أو تطبيقات التواصل الاجتماعي للضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لـ"اليوتيوبرز" و"البلوكرز" الذين يتجاوز رقم معاملاتهم السنوي 500 ألف درهم.
دراسات مقارنة مع التجارب الدولية
وفي معرض حديثها عن التجارب الدولية، أكدت الوزارة أنها أنجزت دراسات مقارنة خلال إعداد مشاريع قوانين المالية، بهدف الاطلاع على أفضل الممارسات العالمية المتعلقة بإدماج مداخيل المؤثرين ضمن الأنظمة الجبائية.
وأظهرت الدراسة، وفق الوزارة، أنه لا يوجد نظام ضريبي خاص بالمؤثرين في الدول موضوع المقارنة، بل يتم التعامل معهم باعتبارهم مهنيين مستقلين يخضعون للضرائب المطبقة على الدخول المهنية.
ففي كل من إسبانيا وألمانيا، يُلزم المؤثرون بالتصريح بالمداخيل المتأتية من الإعلانات الممولة والشراكات ومختلف الأنشطة الرقمية، مع أداء الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بها.
أما في فرنسا وبلجيكا، فتشمل الضرائب كل الإيرادات الناتجة عن الإعلانات الرقمية والشراكات ومبيعات المنتجات والخدمات، بل حتى الهدايا والمنتجات المجانية التي يحصل عليها المؤثرون تعتبر جزءا من الدخل الواجب التصريح به.
وخلصت الدراسة إلى ضرورة تحديث الترسانة القانونية الجبائية المغربية بما يواكب التطور المتسارع للاقتصاد الرقمي، مع توضيح الالتزامات الضريبية الخاصة بالمؤثرين لتسهيل إدماجهم في الاقتصاد المنظم ومحاربة التهرب الضريبي وتشجيع الشفافية.
إصلاحات متتالية في قوانين المالية
أكدت الوزارة أنها شرعت، عبر قوانين المالية لسنوات 2023 و2024 و2025، في تنزيل مجموعة من الإصلاحات المرتبطة بالضريبة على الشركات والضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة.
ومن أبرز التدابير التي تم اعتمادها بموجب قانون مالية 2024، مراجعة قواعد إقليمية الضريبة على القيمة المضافة لتكريس مبدأ فرض الضريبة حسب مكان إقامة مستهلك الخدمات الرقمية، انسجاما مع المعايير الدولية.
كما تم إقرار إلزامية تسجيل مقدمي الخدمات الرقمية عن بعد غير المقيمين لدى إدارة الضرائب عبر منصة إلكترونية، مع فرض التصريح برقم الأعمال المحقق بالمغرب وأداء الضرائب المستحقة.
أما قانون مالية 2025، فقد جاء بتدابير إضافية همّت تحديد مؤشرات واضحة لإثبات الموطن الضريبي بالمغرب بالنسبة لمقتني الخدمات الرقمية، إلى جانب اعتماد الإقرار ربع السنوي بدل الإقرار الشهري بالنسبة لمقدمي الخدمات الرقمية غير المقيمين.
تشديد المراقبة وتعزيز آليات التتبع
وفي موازاة الإصلاحات التشريعية، عززت المديرية العامة للضرائب آليات المراقبة والتتبع الرقمي، من خلال إنشاء مصلحة خاصة بالتحريات ومعالجة المعطيات المرتبطة بالأنشطة الرقمية، مع توسيع التعاون الوطني والدولي في مجال تبادل المعلومات الجبائية، كما جاء في الجواب.
كما جرى، وقف الجواب، دعم مصالح المراقبة المركزية والجهوية بموارد بشرية وتقنية إضافية، إلى جانب تطوير قواعد البيانات والأنظمة المعلوماتية التي تسمح بتتبع المعاملات والأنشطة الرقمية بشكل أكثر دقة.
وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات مكنت من تقوية آليات المراقبة وتعزيز الامتثال الضريبي الطوعي، مع الحرص على احترام حقوق وضمانات الملزمين.
نحو عدالة جبائية في الاقتصاد الرقمي
وترى أن إدماج المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي في المنظومة الضريبية يندرج ضمن مقاربة أوسع لتحقيق العدالة الجبائية وتوسيع قاعدة المساهمين في تحمل التكاليف العمومية، خاصة في ظل تنامي الاقتصاد الرقمي وتزايد المداخيل المحققة عبر الإنترنت.
وفي هذا السياق، شددت الوزارة على أنها تواصل العمل على تطوير أنظمة جبائية واجتماعية تحفيزية، من قبيل نظام المقاول الذاتي والمساهمة المهنية الموحدة، بالتوازي مع تشديد إجراءات مكافحة الغش والتهرب الضريبيين، عبر اعتماد آليات جديدة من بينها الحجز في المنبع وتوسيع مساطر فحص الوضعية الضريبية للأشخاص الذاتيين.
وتؤكد الوزارة أن المرحلة المقبلة ستشهد مواصلة تحديث المنظومة الجبائية بما يضمن التوازن بين تشجيع الاقتصاد الرقمي وتكريس مبدأ المساهمة العادلة في تمويل السياسات العمومية، انسجاما مع المقتضيات الدستورية المتعلقة بالعدالة والتضامن الجبائي.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد