مجتمع
من التخزين إلى الاستهلاك المنزلي .. هكذا يتم هدر الماء بالمغرب
14/05/2026 - 00:56
خولة ازنيزني
خلص تقرير تحليلي إلى أن مواجهة أزمة الماء بالمغرب لا يمكن أن تعتمد فقط على الحلول التقنية والبنيات التحتية، بل تتطلب أيضا تغييرا في السلوكيات الفردية والجماعية، وترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك، مؤكدا أن الحد من الهدر وسوء الاستعمال لا يقل أهمية عن البحث عن موارد مائية جديدة.
ويحذر التقرير الذي أنجزه الباحث بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center)، هنري لويس فيدي، من تفاقم هدر المياه وسوء استعمالها في ظل تزايد الضغط على الموارد المائية.
وأوضح معد التقرير، أن النمو الديمغرافي والحاجة إلى تعزيز الأمن الغذائي سيرفعان الطلب على الإنتاج الفلاحي والحيواني، ما يعني زيادة الطلب على المياه، وبالتالي تضاعف مخاطر التبذير وسوء الاستعمال إذا لم تعتمد سياسات أكثر صرامة وفعالية في التدبير.
ويظهر توزيع استهلاك المياه بالمغرب اختلالا واضحا مقارنة بالمعدلات العالمية؛ ففي حين يخصص العالم نحو 10 في المائة من الموارد المائية للاستهلاك المنزلي و20 في المائة للصناعة و70 في المائة للزراعة، تستحوذ الفلاحة بالمغرب وحدها على 88 في المائة من المياه المتاحة، بينما لا تتجاوز حصة الاستعمال المنزلي والصناعي مجتمعين 12 في المائة.
هدر يتجاوز الاستهلاك
وسجل التقرير أن هدر المياه لا يرتبط فقط بالاستهلاك المباشر، بل يبدأ أحيانا قبل وصول المياه إلى المستهلك، بسبب تقادم القنوات، والربط غير القانوني، وترسب الأوحال بالسدود، وهي خسائر قد تصل في بعض المدن الكبرى إلى 30 في المائة من المياه المخصصة للاستهلاك، خاصة مياه الشرب، مقارنة بنحو 15 في المائة فقط في بعض المدن الفرنسية، ما يبرز حجم الخسائر المسجلة في الشبكات المحلية والحاجة إلى تحديثها واعتماد العدادات الذكية وتقنيات كشف التسربات.
كما كشفت الدراسة أن هدر المياه في المغرب يرتبط أيضا بضعف التدبير، خاصة في ما يتعلق باستغلال المياه الجوفية. فرغم وجود قوانين تنظم حفر الآبار، ما تزال الآبار غير القانونية تستنزف الفرشات المائية بسبب تعقيد مساطر الترخيص وضعف المراقبة، في وقت تعتبر فيه الغرامات الحالية غير كافية للردع.
أما الهدر بعد العداد، فيرتبط بسلوكيات المستعملين، سواء داخل المنازل أو في الأنشطة الفلاحية والصناعية، وأشار التقرير إلى أن الاستهلاك المنزلي، رغم أنه يمثل حوالي 10 في المائة من الموارد المائية، يعرف ارتفاعا متواصلا بفعل الاستعمال اليومي المكثف للمياه في الاستحمام، وغسل الأواني، والمراحيض، وملء المسابح، وسقي الحدائق الخاصة.
وفي هذا السياق، أورد التقرير أرقاما توضح حجم الاستهلاك المنزلي لبعض الأنشطة اليومية، إذ يستهلك شطف المرحاض ما بين 6 و12 لترا، والاستحمام بين 60 و80 لترا، فيما يتطلب ملء حوض الاستحمام ما بين 150 و200 لتر، وقد يصل ملء المسبح إلى ألف لتر. كما تستهلك غسالة الأطباق بين 10 و30 لترا في الدورة الواحدة.

ويرى معد التقرير أن سهولة الولوج إلى مياه الشرب عبر الشبكات، إلى جانب الاعتقاد السائد بأن الماء مورد منخفض التكلفة أو شبه مجاني، ساهما في ترسيخ سلوكيات التبذير، بخلاف ما كان عليه الوضع قبل عقود حين كان الحصول على الماء يتطلب جهدا يوميا.
السدود والطمي.. خطر يهدد التخزين
وحذرت الدراسة من تراجع القدرة التخزينية للسدود المغربية بسبب الترسبات الطينية، بعدما فقدت بعض السدود الكبرى أكثر من نصف طاقتها الاستيعابية.
وقدرت وزارة التجهيز والماء سنة 2023 حجم الطمي المتراكم سنويا بنحو 75 مليون متر مكعب، نتيجة عوامل مرتبطة بالتعرية، والرعي الجائر، وتراجع الغطاء النباتي، والتغيرات المناخية.
وتقترح الدراسة حلولا تقنية من قبيل التجريف، ورفع السدود، وتصريف الرواسب، لكنها تؤكد أن حماية الأحواض المائية وإعادة التشجير تبقى من أكثر الحلول نجاعة على المدى الطويل، رغم بطء نتائجها.
وفي ما يتعلق بالقطاع الصناعي، أبرز التقرير أن استهلاكه للمياه يظل محدودا مقارنة بالفلاحة والأسر، إذ لا يتجاوز 2 في المائة، مع تسجيل توجه متزايد نحو إعادة استعمال المياه المعالجة وتقليص الاعتماد على المياه الصالحة للشرب. وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط رفعت نسبة إعادة تدوير المياه المستعملة إلى 80 في المائة، مع هدف بلوغ 95 في المائة والاعتماد الكامل على المياه غير التقليدية بحلول سنة 2030.
تسعيرة جديدة
ودعا التقرير إلى إصلاح جذري لنظام تسعير المياه عبر اعتماد ما وصفه بـ”التسعير الثنائي”، القائم على توفير المياه للفئات الهشة بأسعار رمزية أو مجانا لتغطية الحاجيات الأساسية، مقابل رفع الأسعار تدريجيا بالنسبة لكبار المستهلكين، خصوصا الفيلات والمسابح وبعض الأنشطة الصناعية والفلاحية، وفق تعرفة تعكس التكلفة الحقيقية للماء، بما في ذلك كلفة التحلية ومعالجة المياه العادمة.
كما أوصى بتشجيع الفلاحين على استعمال المياه المعالجة والتي تكون أقل تكلفة بدل الاعتماد على المياه الصالحة للشرب في السقي، مع تنظيم الزراعات الأكثر استنزافا للموارد المائية، مثل الأفوكادو والبطيخ، بما يحقق التوازن بين حماية الموارد المائية ومتطلبات الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
وشدد التقرير على أن معالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها أصبحت خيارا استراتيجيا في مواجهة الإجهاد المائي، مشيرا إلى أن البرنامج الوطني للتطهير السائل يراهن على إعادة استعمال 200 مليون متر مكعب سنويا من المياه المعالجة بحلول سنة 2027، و340 مليون متر مكعب في أفق 2050، خاصة لسقي المساحات الخضراء والملاعب والأراضي الفلاحية.
واعتبر التقرير أن اللجوء إلى المياه غير التقليدية، سواء عبر تحلية مياه البحر أو إعادة استعمال المياه المعالجة، لم يعد خيارا ثانويا، بل ضرورة ملحة في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على المياه.
وأبرز في هذا السياق مشاريع كبرى أطلقتها المملكة، من بينها محطات تحلية مياه البحر، وبناء السدود، وشبكات نقل المياه، إضافة إلى مشروع الربط المائي بين سبو وأبي رقراق منذ سنة 2023 لتفادي ضياع فائض المياه في البحر.
وأشار التقرير إلى أن عددا من الدول، رغم توفرها على موارد مائية أكبر، اتجهت بدورها إلى إعادة استعمال المياه العادمة، إذ تبلغ النسبة 14 في المائة في إسبانيا و8 في المائة في إيطاليا، فيما تعتمد دول مثل سنغافورة على تقنيات متقدمة لإعادة استعمال المياه بعد معالجتها بدرجات عالية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
اقتصاد
اقتصاد