مجتمع
هل يكفي تحسن الموارد المائية للتخلي عن ترشيد استهلاك الماء؟
10/05/2026 - 13:49
حليمة عامر
شهد المغرب خلال هذه السنة تساقطات مطرية مهمة أنهت جزئيا آثار سنوات متتالية من الجفاف، حيث بلغت الموارد المائية المتوفرة نحو 13 مليار متر مكعب، مع نسبة ملء للسدود وصلت إلى 76.1 في المائة إلى غاية يوم الإثنين 04 ماي 2026. غير أن هذا التحسن لا يعني بالضرورة أن المغرب تجاوز أزمة الإجهاد المائي، ولا يبرر العودة إلى أنماط الاستهلاك المفرط للماء.
في هذا السياق، يرى مهندس الماء والخبير في التغيرات المناخية، محمد جليل، أن المغرب يشهد تحسنا ظرفيا في الموارد المائية، ولا يمكن اعتباره تحسنا مطلقا أو دائما، مبرزا أن المملكة لا تزال تعاني من تأثيرات التغيرات المناخية والتقلبات المرتبطة بها، والتي تجعل التساقطات غير منتظمة، بحيث قد تشهد سنة وفرة مطرية، تليها سنة جافة. وبالتالي، فإن تسجيل تحسن ظرفي في التساقطات خلال هذه السنة لا يعني بالضرورة أن السنوات المقبلة ستعرف نفس مستوى الأمطار أو نفس وتيرة الوفرة.
تحسن ظرفي لا يرقى إلى الاستقرار المائي
وذكر المتحدث، في تصريح لـSNRTnews، أن تبذير الماء، في ظل الإكراهات التي عرفها المغرب خلال الظرفية المناخية الحالية، يفرض التحلي بحس وطني ومسؤولية في الاستهلاك، سواء في حالات الوفرة أو الشح، لأن الوضع الذي عاشه المغرب يعد استثنائيا، ورغم تسجيل تحسن في حقينات السدود والفرشات المائية، فإن ذلك لا يمنح الضوء الأخضر للإسراف أو التبذير.
ويرى المتحدث أن المغرب يتوفر على نظام لتدبير الموارد المائية السطحية والجوفية، حيث تعطى الأولوية للماء الصالح للشرب، ثم ماء سقي الأشجار المثمرة، يليه سقي الزراعات السنوية، ثم الخضر. وبالتالي، يتم اعتماد ترتيب واضح للأولويات، يضع الماء الشروب في المقدمة، حتى في حالات الضغط المائي، مع ضرورة ضمان هذه الأولوية في جميع الظروف.
غير أن هذه السنة، ورغم وصول حجم المياه المخزنة إلى حوالي 13 مليار متر مكعب في حقينات السدود، وهي كمية قد تبدو كافية لسنوات، إلا أن الحاجة تظل قائمة لتلبية متطلبات الفلاحين، مما يستوجب تدبيرا معقلنا لهذه الموارد، واستحضار ضرورة الاقتصاد في الماء الشروب، خصوصا في الاستعمالات المنزلية، إضافة إلى الاقتصاد في الآليات الفلاحية، وضرورة إدماج تقنيات حديثة وناجعة في الري والتدبير، يوضح المتحدث.
وفرة لا تلغي استمرار الإجهاد المائي
ويؤكد المتحدث أن البلاد ما تزال تعاني من إكراهات مائية متعددة، ومن شح هيكلي في الموارد الطبيعية، وهو ما يستدعي التخفيف من حدته عبر ترشيد استعمال المياه وتجديد طرق تدبيرها.
غير أن هذا التحسن، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أن المغرب قد تجاوز بشكل نهائي أزمة الإجهاد المائي، ولا يبرر العودة إلى أنماط الاستهلاك المفرط للماء، وفق ما يؤكده محمد البقالي، مدير مصلحة التجهيزات بالمديرية الإقليمية للتجهيز والماء بشفشاون.
وأوضح البقالي، في تصريح لـSNRTnews، أن مناطق الشمال شهدت وفرة مهمة في المياه خلال هذه السنة، حيث بلغت بعض السدود نسبة ملء وصلت إلى 100 في المائة بفضل التساقطات المهمة التي تم تسجيلها، غير أن ذلك لا يعني اعتماد سلوك استهلاكي غير عقلاني أو تبذير المياه.
وأضاف أنه، رغم الإجراءات التي سبق اتخاذها، مثل تقييد استعمال الماء الشروب، وكذا استعماله في الحمامات والمسابح، وكذا في سقي المساحات الخضراء والساحات العمومية، فإن المسؤولية تبقى مشتركة، ويجب أن يواكبها وعي مواطني قائم على ترشيد استهلاك الماء، لضمان استدامة الموارد خلال السنوات المقبلة.
تفاوت مجالي في الوضعية المائية
وتظل الموارد المائية في المغرب مرتبطة بعوامل مناخية متقلبة، في ظل تأثيرات التغيرات المناخية التي تجعل التساقطات غير منتظمة زمانيا ومجاليا. كما أن سنوات الجفاف السابقة استنزفت جزءا مهما من الفرشات المائية، التي تحتاج إلى فترات أطول لاستعادة توازنها، حيث لم تسجل بعض مناطق المملكة ما يكفي لسد حاجياتها من الماء، كما هو الحال في مناطق الشمال والغرب، أو وسط المملكة.
وفي الجنوب الشرقي للمغرب، هناك مناطق لم تصل بعد إلى 40 في المائة من نسبة ملء السدود.
وفي هذا الإطار، يوضح يوسف بنحمو، مدير وكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، أن جهة درعة واد نون وحوض إفني، على سبيل المثال، سجلت خلال هذه السنة عجزا في التساقطات المطرية مقارنة بسنة عادية، بخلاف المناطق الشمالية والوسطى التي عرفت فائضا مهما.
ويؤكد المتحدث، في تصريح لـSNRTnews، أن هذا الوضع انعكس على الموارد المائية السطحية، حيث سجلت نقصا مائيا واضحا، ولم تصل نسبة ملء السدود في المنطقة إلى المعدل الذي قد يتجاوز 40 في المائة، وهو ما يجعلها من بين الأحواض التي تسجل أدنى مستويات الملء مقارنة بباقي جهات المملكة التي تجاوزت 76 في المائة.
تدبير مستدام للمياه
غير أن هذا العجز لا يعني وجود خصاص مباشر في الماء الصالح للشرب، إذ إن مدنا مثل ورززات وزاكورة وأكدز، التي تعتمد على هذه السدود، لا تعاني حاليا من إشكال في التزويد، حيث تتوفر على مخزون يكفي لحوالي سنة. بالمقابل، يتوقع تسجيل خصاص في مياه السقي، ما دفع إلى تقليص الحصص المائية المخصصة للفلاحة خلال هذه السنة، والتي لم تتجاوز 100 مليون متر مكعب خلال الموسم الحالي.
كما أشار إلى أن الوكالة لم تمنح رخصا بنسبة 100 في المائة للمشاريع السقوية الجديدة، خصوصا في مناطق طاطا وزاكورة وورززات، حيث يتم الإبقاء على تقنين المساحات المسقية.
لذلك، يشدد على أن هذه الظرفية ينبغي أن تستثمر في تعزيز سياسات التدبير المستدام للمياه، عبر ترشيد الاستهلاك، وتطوير تقنيات الري المقتصدة، بدل اعتبارها مؤشرا على وفرة دائمة.
مقالات ذات صلة
سياسة
مجتمع
اقتصاد
مجتمع