مجتمع
ما بعد الباكالوريا.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة التكوين وسوق الشغل؟
18/05/2026 - 09:49
حليمة عامر
مع اقتراب موعد امتحانات الباكالوريا، يعود النقاش داخل الأوساط التعليمية حول اختيارات التوجيه المدرسي والتخصصات القادرة على ضمان مستقبل مهني مستقر للتلاميذ، في ظل التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على سوق الشغل، وظهور مهن جديدة مقابل تراجع أخرى كانت إلى وقت قريب تعد من أكثر الوظائف طلبا.
وباتت عدد من الدول تفكر في التخصصات المرتبطة بالبرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير التطبيقات، بعدما فرض الذكاء الاصطناعي نفسه كأحد أبرز المجالات التي ستعيد تشكيل اقتصاد المستقبل، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى مواكبة منظومة التكوين بالمغرب للتحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.
التوجيه المدرسي أمام تحدي المهن المستقبلية
في هذا الصدد، يرى المستشار في التوجيه المدرسي بالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالحي الحسني، حسن أحنيش، أن الذكاء الاصطناعي بات يوفر مجموعة من الآليات المهمة، لكنه في المقابل يطرح عددا من الإشكاليات المرتبطة بإعادة تشكيل خريطة المهن، بما في ذلك احتمال اختفاء بعض الوظائف في المستقبل.
وأوضح أحنيش، في تصريح لـSNRTnews، أن من أبرز التحديات المطروحة اليوم غياب منظومة استشرافية دقيقة في المغرب ترصد بشكل منهجي المهن التي قد تتراجع أو تختفي خلال السنوات الخمس المقبلة، على خلاف عدد من الدول التي تعتمد على دراسات دورية لتحليل تطورات سوق الشغل، وربطها بشكل مباشر بسياسات التوجيه والتكوين.
وأضاف أن التوجيه المدرسي أصبح اليوم مطالبا بمواكبة المهن المستقبلية، خاصة تلك التي بدأت ملامحها تتضح بشكل واضح، مشيرا إلى أن بعض التخصصات التقليدية لم تعد تضمن الآفاق نفسها كما في السابق، من بينها مهنة المحاسبة، التي يرى أنها لم تعد تستوجب التوجيه إليها بالصيغة الكلاسيكية، في ظل قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز جزء مهم من مهامها بشكل آلي ودقيق.
مهن مهددة وأخرى أكثر رسوخا
وفي المقابل، يبرز المتحدث أن هناك مهنا ستظل قائمة رغم استفادتها من أدوات الذكاء الاصطناعي، باعتبارها تعتمد على التدخل البشري المباشر، مثل مهنة الطب، حيث يمكن للتقنيات الحديثة أن تساهم في التشخيص وتحليل المعطيات، غير أن الطبيب يظل المسؤول عن اتخاذ القرار العلاجي ومتابعة حالة المريض.
كما أشار إلى أن بعض المهن مرشحة للتراجع أو الاختفاء، من بينها مجالات مرتبطة بتنظيم التظاهرات، وبعض الوظائف المتعلقة بالتخطيط والتنسيق، إضافة إلى مهن مرتبطة بالتدريب ونقل المهارات، والتي قد تعرف تحولات عميقة بفعل الاعتماد المتزايد على الحلول الذكية.
وفي المقابل، شدد المستشار على أن هناك مهنا ستظل بحاجة إلى العنصر البشري بشكل أساسي، رغم التطور التكنولوجي، لأن طبيعتها تعتمد على الإبداع والتفاعل الإنساني واتخاذ القرار في سياقات معقدة.
إصلاح التكوين وربط التعلم بسوق الشغل
وأكد في السياق ذاته أن الفاعلين في مجال التكوين المهني باتوا واعين بهذه التحولات التي تعيد رسم خريطة المهن المستقبلية، وهو ما بدأت تعكسه بعض مشاريع التكوين الجديدة، خاصة داخل مدن المهن والكفاءات، التي تعتمد مقاربة حديثة في التكوين المهني تقوم على ربط التعلمات بحاجيات سوق الشغل، بدل الاقتصار على المهن التقليدية.
ويضيف أن هذا التحول ينسجم مع تصور جديد في التكوين يقوم على "التعلم من أجل الفعل"، بدل الاكتفاء بالتعلم النظري، بما يهدف إلى إعداد متعلمين يمتلكون مهارات قابلة للتطبيق في سوق شغل سريع التغير، تقوده التحولات التكنولوجية المتسارعة والذكاء الاصطناعي.
وفي السياق ذاته، بدأت بعض الجامعات والمدارس العليا بالمغرب في إدراج تكوينات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والتحول الرقمي، استجابة للطلب المتزايد على هذه التخصصات، سواء من طرف الطلبة أو من طرف الشركات الباحثة عن كفاءات قادرة على مواكبة الثورة الرقمية
الذكاء الاصطناعي لا يلغي دور الإنسان
بدوره، يؤكد مدير المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي ببركان، جعفر خالد، أن الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة تعويض الإنسان أو القضاء على المهن، كما يشاع، بل يدفع إلى إعادة تشكيل عدد من الوظائف وتطويرها، بما يساهم في تعزيز الكفاءات التي يحتاجها المغرب والحفاظ عليها.
وأوضح، في تصريح لـSNRTnews، أن مؤسسات التكوين لا تشتغل على إعداد كفاءات تنهي وجود المهن، بل على تطويرها وتكييفها مع التحولات الرقمية التي يشهدها سوق الشغل، مشيرا إلى أن المغرب كان يعاني، على سبيل المثال، من خصاص في مهندسي الري، غير أن التطور الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي ساهما في تحسين هذا المجال وتطوير آليات تدبيره.
وأضاف أن الهدف من هذه التكوينات يتمثل في تنمية قدرات الطلبة وتأهيلهم لمواكبة التحولات التي يفرضها الجيل الرقمي الجديد، حتى يكونوا أكثر قدرة على التأقلم مع المستجدات التكنولوجية ومتطلبات سوق الشغل مستقبلا.
وأشار إلى أن بعض المهن مرشحة للتراجع أو الاختفاء، مقابل بروز مهن جديدة تتطلب كفاءات عالية، من بينها الأمن السيبراني، وتطوير نظم المعلومات، والروبوتات، إلى جانب تخصصات مرتبطة بالهندسة والبرمجة المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، أوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مساعدة للمبرمجين والمهنيين، إذ يساهم في تسريع إنجاز المهام وتحسين الأداء، دون أن يلغي الحاجة إلى التدخل البشري، باعتبار أن العنصر البشري يظل أساسيا في الإبداع والتوجيه واتخاذ القرار.
ورغم بروز مهن مبتكرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يؤكد المتحدث أن تطوير هذه المجالات سيظل رهينا بالخبرات البشرية القادرة على توجيه التكنولوجيا وتطوير استخدامها بشكل فعال.
ويطرح هذا التحول، وفق المتحدث، تساؤلات حول مدى قدرة مؤسسات التعليم العالي على تطوير مناهج وطرق التكوين، بما ينسجم مع التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم الرقمي وسوق الشغل.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
ذكاء اصطناعي
تكنولوجيا
تكنولوجيا