مجتمع
تسارع تدهور التنوع البيولوجي بالمغرب .. المجلس الاقتصادي والاجتماعي يرصد مؤشرات "مقلقة"
20/05/2026 - 13:40
يونس أباعلي
خلصت دراسة أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى وجود تدهور متسارع يطال التنوع البيولوجي بالمغرب، بفعل التوسع العمراني والاستغلال المفرط للموارد، وكذا التغير المناخي.
سجلت الدراسة أن هذه التحولات باتت تهدد الأمن الغذائي والمائي وتضعف قدرة الأنظمة البيئية على الصمود، في ظل استمرار اختلالات الحكامة وضعف التنسيق بين السياسات القطاعية المعنية بحماية الرصيد الطبيعي الوطني.
توقفت الدراسة التي تم تقديم نتائجها اليوم الأربعاء 20 ماي 2026، والتي أنجزها المجلس لإعداد رأي حول موضوع "التنوع البيولوجي في المغرب: نحو حكامة متجددة في خدمة تنمية ترابية مستدامة"، على تراجع ملموس في التنوع البيولوجي الزراعي نتيجة ضعف تنويع أنماط الإنتاج واعتماد أساليب زراعية موحدة، إلى جانب تنامي الضغط على الأراضي.
ماذا سجل المواطنون؟
أبرزت نتائج استشارة قام بها المجلس، أن الموارد المائية تأتي في المرتبة الأولى ضمن المكونات الطبيعية التي تستحق الحماية أو التعزيز (20%)، تليها الغابات والمساحات الخضراء (19%)، ثم السواحل والمناطق البحرية (17%)، والواحات والمناطق الجافة (17%)، والمناظر الطبيعية (14%)، ثم الأنظمة الفلاحية والمعارف التقليدية ذات الصلة (13%).
وبخصوص العوامل الأساسية المهدِّدة للتنوع البيولوجي في المغرب، حدد المستجوَبون في مقدمتها الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية (23%)، والتلوث (22%)، والتوسع العمراني السريع (21%). كما اعتُبرت الممارسات الزراعية والغابوية غير المستدامة من بين أبرز عوامل التدهور (19%)، إلى جانب التغير المناخي الذي شكّل بدوره أحد التهديدات الرئيسية وفق 16% من الإجابات.
وبخصوص سؤال "هل تم رصد علامات لتدهور البيئة الطبيعية في منطقتكم؟"، أفادت نسبة 97% من المشاركات والمشاركين بوجود مظاهر تدهور في بيئتهم المحلية.
وتتمثل أبرز أشكال التدهور التي تم رصدها في فقدان الغطاء الغابوي (30%)، وتلوث المياه والسواحل (23%)، والتصحر (19%)، وانقراض بعض الأنواع (17%)، إضافة إلى تراجع الموارد السمكية (12%).
وبخصوص التدابير ذات الأولوية للحفاظ على التنوع البيولوجي وتثمينه في المغرب، أبرزت النتائج أن تعزيز تطبيق القوانين البيئية يأتي في المرتبة الأولى (25%)، يليه إدماج حماية التنوع البيولوجي في القطاعات الاقتصادية (21%)، ودعم المبادرات البيئية المستدامة (21%)، ثم التوعية والتعبئة المواطنة (19%)، وإعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة (15%).
أوجه عديدة للتدهور
أكد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر أعمارة، أن التقديرات تشير إلى فقدان ما يقارب 75 في المائة من الأصناف المحلية للحبوب خلال العقود الأخيرة، مبرزا أن موضوع التنوع البيولوجي يكتسي أهمية استراتيجية كبرى، بالنظر إلى ما يمثله من رافعة أساسية لضمان الأمن الغذائي والمائي وتعزيز صمود المجالات الترابية في مواجهة التحولات البيئية والمناخية، محذرا في المقابل من تنامي الضغوط التي تهدد الرصيد الطبيعي الوطني وتفاقم مظاهر التدهور البيئي.
وأوضح أعمارة، في كلمة خلال لقاء تواصلي لتقديم مخرجات الرأي، أن المجلس ارتأى الانكباب على هذا الملف بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المغرب ضمن المجالات العالمية للتنوع البيولوجي، سواء على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط أو القارة الإفريقية، بفضل ما يزخر به من تنوع مناخي يشمل المناخ القاري والرطب والجاف وشبه الجاف، فضلا عن تعدد أنظمته البيئية التي تضم الغابات والجبال والواحات والمناطق الرطبة والمجالات السهبية والسواحل والأوساط البحرية.
وأشار رئيس المجلس إلى أن هذه المكونات الطبيعية تشكل مقومات حيوية لمنظومة متكاملة تؤدي أدوارا أساسية في الحفاظ على الأمن الغذائي والمائي، وتنظيم المناخ، وتقوية قدرة المجالات الترابية على الصمود أمام التقلبات البيئية، إلى جانب مساهمتها في ضمان استدامة الأنشطة الفلاحية والغابوية والبحرية والسياحية، بما يدعم التوازن بين المجالات الترابية ويسهم في تقليص الفوارق المجالية.
وفي المقابل، سجل أعمارة أن التنوع البيولوجي والرصيد الطبيعي الوطني يواجهان اليوم ضغوطا متزايدة ومركبة، ناجمة عن تراجع الموائل الطبيعية بسبب التوسع العمراني، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والتلوث، وانتشار الأنواع الغازية الدخيلة، فضلا عن تداعيات التغير المناخي.
وأبرز أن تراكم هذه العوامل يؤدي إلى تدهور متسارع للتربة، وارتفاع حدة الإجهاد المائي، وإضعاف النظم البيئية الفلاحية والغابوية والرعوية والبحرية، وكذا نظم الواحات.
وأضاف أن الدراسة التي أنجزها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وفق منهجية تحليلية معمقة ومقاربة تشاركية موسعة، سعت إلى رصد العوامل البنيوية المساهمة في تدهور التنوع البيولوجي على المستوى الوطني، واستجلاء آثارها على قدرة المجالات الترابية على الصمود، مع الوقوف عند أبرز الاختلالات التي تحد من حماية هذا الرصيد الطبيعي واستعادته وتثمينه بشكل مستدام.
كما أبرزت الدراسة، بحسب أعمارة، عددا من الرافعات الأساسية الكفيلة بتحقيق إدماج أفضل للتنوع البيولوجي داخل السياسات العمومية واختيارات التنمية، بما ينسجم مع رهانات السيادة الغذائية والأمن المائي والتكيف مع التغيرات المناخية.
ورغم التقدم الذي حققه المغرب من خلال استراتيجياته الوطنية ومخططاته القطاعية المرتبطة بالبيئة والتنمية المستدامة والتنوع البيولوجي، فضلا عن انخراطه في تنفيذ التزاماته الدولية، شدد رئيس المجلس على أن عددا من أوجه القصور ما تزال قائمة، خصوصا في ما يتعلق بحماية التنوع البيولوجي وتثمينه واستعادته.
أما في المجال البحري، فأكد أعمارة أن العديد من المخزونات السمكية يتم استغلالها عند مستويات تقترب أو تتجاوز عتبة الاستدامة، في وقت لا تزال فيه إمكانات بيولوجية بحرية مهمة غير مستثمرة بالشكل الأمثل.
وسجل المتحدث ذاته أن حكامة التنوع البيولوجي ما تزال تعاني من التجزؤ وهيمنة التدبير القطاعي الضيق، الأمر الذي يحد من إدماج هذا الورش بشكل عرضاني ضمن مختلف السياسات العمومية.
كما اعتبر أن التنسيق بين القطاعات المعنية لا يرقى إلى مستوى التحديات المطروحة، في ظل ضعف الالتقائية بين السياسات الفلاحية والمائية والبيئية والترابية والمالية.
وأشار رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى الحاجة إلى تعزيز الترابطية القائمة على التكامل بين الموارد والقطاعات وفق مقاربة “Nexus” (دمج القطاعات)، مع الاستثمار الأمثل للمعطيات العلمية وآليات الرصد البيئي من أجل تنوير القرار العمومي والاقتصادي، بما يسمح بإرساء حكامة متجددة للتنوع البيولوجي في خدمة تنمية ترابية مستدامة
زيارات توقفت على تداعيات
أشار أعمارة إلى أن المجلس زار جهة سوس-ماسة للوقوف بشكل مباشر على واقع التنوع البيولوجي بالمجال الترابي، وعلى التحديات المتزايدة التي تواجه النظم البيئية والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، وأكد أن مختلف التدخلات أجمعت على أن التدهور البيئي لم يعد مجرد إشكال طبيعي أو بيئي معزول، بل أصبح عاملا يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي، وعلى شروط العيش، وعلى توازن المجالات الترابية.
وأبرزت هذه الزيارة بشكل واضح، يضيف أعمارة، حجم الضغوط التي أصبحت تواجهها النظم البيئية بجهة سوس-ماسة، سواء بسبب الإجهاد المائي، أو التصحر، أو التوسع العمراني، أو بعض أنماط الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية.
كما تم تسجيل مؤشرات مقلقة مرتبطة بتراجع التنوع البيولوجي الزراعي، وتدهور بعض المنظومات الواحية والرعوية، وتراجع الكائنات الملقِّحة، إضافة إلى الضغوط المتزايدة التي تواجهها الثروات البحرية.
مقالات ذات صلة
مجتمع
سياسة
اقتصاد
اقتصاد