اقتصاد
أسود الأطلس: من التألق الكروي إلى صدارة البورصة الاستشهارية العالمية
23/06/2026 - 16:03
فدوى العزيزي
لم تعد مباريات كأس العالم لكرة القدم مجرد منافسة تسعين دقيقة على المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى محرك اقتصادي بارز وسوق عالمية تشهد صراع نفوذ استثماري تقوده كبرى المؤسسات المتعددة الجنسيات. وبالتزامن مع انطلاق غمار منافسات مونديال 2026، يعيش المنتخب الوطني المغربي طفرة تسويقية واستشهارية، حيث تحول لاعبو "أسود الأطلس" من مجرد نجوم فوق أرضية الملعب إلى علامات تجارية مستقلة تتنافس عليها كبريات الشركات المحلية والعالمية، مستفيدة من الإرث التاريخي لإنجاز مونديال قطر 2022.
"ماركة" أسود الأطلس
منذ الملحمة التاريخية في الدوحة، ارتفعت القيمة التسويقية لـ "البراند" الخاص بالمنتخب المغربي بشكل مطرد. واليوم، لم يعد الاهتمام الاستشهاري مقتصرا على الشراكات الجماعية والمؤسساتية التي تعقدها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بل انتقل الثقل الاستثماري بوضوح نحو العقود الفردية المخصصة للاعبين وللأطقم الفنية الموجهة للإدارة الرياضية.
وتنعكس هذه الطفرة التاريخية لأسود الأطلس مباشرة على أجور اللاعبين وعقودهم الإشهارية مع كبرى المحافظ الاستثمارية، وهو ما تترجمه لغة الأرقام بدقة، إذ تقدّر القيمة التسويقية الإجمالية للمنتخب المغربي لكرة القدم بنحو 490 مليون يورو وفقا لأحدث المؤشرات الصادرة عن موقع Transfermarkt المتخصص في إحصائيات وقيم اللاعبين.
وبهذه الأرقام، يتصدر المنتخب المغربي قائمة أغلى المنتخبات العربية والإفريقية بفارق شاسع، حيث تتجاوز قيمته التسويقية مجموع قيم منتخب مصر وتونس والجزائر مجتمعة، مما يجعل من صورة "اللاعب المغربي" المنتج التسويقي الأكثر جاذبية والأعلى طلبا وتنافسية في المنطقة مع انطلاق العرس العالمي.
تنوع القطاعات الاستثمارية
يتجلى هذا الحراك التجاري بشكل ملموس في المنصات الرقمية، وشبكات التواصل الاجتماعي، واللوحات الإعلانية الضخمة، حيث باتت وجوه بارزة في النخبة الوطنية والأطر الفنية تقود الحملات الترويجية لأكبر المؤسسات الاقتصادية عبر قطاعات استراتيجية متباينة.
وفي مقدمة هذه المجالات، يبرز قطاع الاتصالات والتكنولوجيا، إذ تقود نجوم شابة صاعدة حملات رقمية واسعة تعتمد على كبسولات الفيديو القصيرة والتفاعلية، في حين توظف شركات أخرى في نفس القطاع أسماء موازية من ذوي الخبرة في الفريق الوطني لتعزيز حضورها الميداني وبناء ولاء المشتركين.
وامتد هذا التنافس الاستثماري بالتزامن مع انطلاق نهائيات كأس العالم 2026 نحو قطاع المعاملات المالية والمؤسسات المصرفية، حيث ظهر الدولي المغربي أشرف حكيمي سفيرا عالميا لمجموعة بنكية دولية، في خطوة تعكس الثقة المؤسساتية والبعد العالمي للقيمة التسويقية للاعب المغربي.
كما شمل الاستثمار أيضا قطاع الصناعة الوطنية الكلاسيكية والتجهيز المنزلي، من خلال حملات إعلانية ضخمة توظف الرمزية الوطنية لربط صورة الرياضيين والأطر بقيم ومبادئ تلك المؤسسات، بالإضافة إلى الحضور التقليدي لشركات المستلزمات الرياضية.
من الرأسمال الرياضي إلى الرأسمال الرمزي
وفي قراءة متخصصة للتحولات البنيوية التي تشهدها السوق الإعلانية الرياضية، أوضح الدكتور مراد بنتوك، الباحث في التدبير والحكامة الرياضية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن ما حدث قبل مونديال 2026 هو انتقال صريح للاعب المغربي من مجرد "رأس مال رياضي" إلى "رأس مال رمزي وتسويقي".
ويرى الدكتور بنتوك أن الشركات لم تعد تشتري مجرد صورة لاعب، بل أصبحت تراهن على "قصة نجاح، وهوية وطنية، وقدرة على التأثير في ملايين المستهلكين داخل المغرب وخارجه"، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة مرشحة للتوسع أكثر إذا حقق المنتخب المغربي مسارا ناجحا في منافسات كأس العالم الحالية.
ويستند الباحث الأكاديمي في تحليله إلى نظرية الرأسمال الرمزي لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، مؤكدا أن اللاعب في التسويق الحديث لم يعد يقاس فقط بعدد أهدافه أو تمريراته الحاسمة، بل بما يمثله رمزيا، فالنجم أشرف حكيمي على سبيل المثال يجمع بين النجاح الرياضي العالمي، الحضور الرقمي الضخم، والهوية المغربية القوية، بالإضافة إلى قيم الانضباط والجدية، مما يجعله جذابا لقطاعات اقتصادية متعددة كتعيينه سفيرا عالميا لمجموعة مصرفية دولية كبرى.
كما يبرز توظيف قيم مثل "القيادة والرصانة" من خلال الأطر الوطنية والمدرب محمد وهبي كسفير لعلامة صناعية وطنية رائدة، بينما تمثل الأسماء الصاعدة مثل العيناوي الجيل الجديد الطموح في الشراكات التجارية، وهي قيم تسعى العلامات التجارية لاستعارتها لصالح هويتها البصرية.
خصوصية نسخة 2026
حدد الدكتور مراد بنتوك مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية والتكنولوجية التي جعلت من هذه النسخة المونديالية نقطة تحول كبرى، حيث أبرز أن تنظيم البطولة في ثلاث دول يفتح أمام الشركات أسواقا متعددة وجماهير مختلفة في وقت واحد، ويمنح الرعاة فرص ظهور أكبر بكثير بفضل زيادة عدد المنتخبات والمباريات التي تتيح أسابيع إضافية من التغطية الإعلامية.
ويضيف بنتوك أن التسويق الحالي انتقل بوضوح نحو النجوم الإقليميين المؤثرين الذين يمتلكون تأثيرا قويا داخل أسواق محددة، مثل أشرف حكيمي في المغرب والعالم العربي وإفريقيا، حيث تشتري الشركات إمكانية تحول اللاعب إلى أحد أبرز وجوه المونديال بدلا من الرهان الحصري السابق على النجوم التقليديين.
ويرى الباحث في الحكامة الرياضية أن الشركات أصبحت تبحث عن قصة اللاعب الإنسانية وهوياته المتعددة كالنجم العالمي المؤثر، والرمز الوطني، ونموذج النجاح للجاليات في الخارج، مما يمنح الحملات مادة عاطفية قوية تعتمد على قيم التميز والدعم طويل الأمد.
ويسهم التطور الكبير للاقتصاد الرقمي في تعزيز هذه النفاذية، نظرا لأن اللاعب بات يمتلك قنواته الإعلامية الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي للوصول المباشر إلى ملايين الأشخاص دون وسيط.
ويخلص الدكتور بنتوك إلى أن اقتراب مونديال 2030 المشترك يعد المحور الاستراتيجي الأبرز، إذ ينظر المستثمرون إلى الرياضي المغربي كجزء من مشروع وطني ممتد، يتزامن مع احترافية السوق المحلية التي باتت تركز على أسلوب حياة اللاعب والقيم التي يتبناها، مما سمح لقطاعات متنوعة كالأثاث، والتأمين، ومستحضرات التجميل باقتحام هذا المجال الاستثماري الواعد.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
مجتمع