رياضة
الركراكي .. حكاية نجاح مغربية
31/08/2022 - 23:02
يونس الخراشي
يشبه وليد الركراكي بطلا لفيلم شيق ومثير، بنهاية سعيدة ومفتوحة. فمن جهة نجح هذا الشاب في الفوز بلقبين كبيرين، في ظرف قياسي، وبما يشبه الحيل الدرامية الأخاذة. ثم هو مقبل على تحد كبير للغاية، سيجعله محط اهتمام وترقب لا مثيل لهما، حين يقود المنتخب الوطني في مونديال قطر.
من هنا بدأت الحكاية..
بدأت القصة منذ سنوات، حين كان وليد، وهو يدرب الفتح الرباطي، يلمح إلى رغبته في قيادة الوداد أو الرجاء. قالها مرارا. إنه يتمنى سماع هدير الجماهير في ملعب مركب محمد الخامس وهي تحفز اللاعبين، بصوت واحد، وعلى قلب رجل واحد، بكلمتين لهما سحر نووي :"سير .. سير".
وما أن لاحت الفرصة، حتى بدأ البطل رحلته إلى الحلم، واثق الخطوة يمشي ملكا. فمن البداية أكد أنه لن يغرق الوداد الرياضي، وهو فريقه الجديد، في التعاقدات. وأوضح أنه سيعتمد على الأسماء نفسها، مع بعض التغييرات الطفيفة. وزاد:"الحارس التكناوتي. سنرى ما به؟ بديع أوك. هذا الولد جيد، سنختبره، ونرى".
لم تكن الانطلاقة مقلقة. غير أنها لم تكن مطمئنة. ومن تم، فقد تفاعلت جماهير الوداد بنوع من التردد مع وليد وكتيبته. خالط الشك أملها، وراحت تنتظر وقتا ترى فيه فريقا منسجما على أرضية الملعب، يبسط قوته، ويكسب المباريات، ويتربع على سبورة الترتيب بطمأنينة. وهو ما حدث، نسبيا، في وقت لاحق، ولاسيما بعد أن صار اللقب منحصرا بين الوداد والرجاء.
ومع أن الوداد لم يتسن له التعاقد مع لاعبين جدد في الميركاتو الشتوي، فقد استطاع الركراكي أن يوازن بين عناصر الفريق. كان يتعين عليه أن يفاضل بينهم في مباريات البطولة، ودوري أبطال إفريقيا. وكان فريق عمله، وبخاصة منه إدريس واجو، المعد البدني، الذي جاء من قمة ألعاب القوى المغربية، بخبرات كبيرة ورصينة، يهيء له الظروف المواتية، بحسب المتطلبات الراهنة.
هناك اليوم من يعتقد بأن رياحا ما أسهمت في تحريك سفينة الركراكي نحو جزيرة الكنز. غير ألا دليل ملموس يشير إلى ذلك. فحتى تلك الأخطاء التحكيمية التي وقعت في مباريات الوداد، وقع مثلها ضده، أو بعضها على الأقل ضده. وكان واضحا للغاية، من خلال وجوه اللاعبين، وأدائهم، ورغبتهم، وحماسة المدرب، وتحفيزات الجمهور، أن وليد يعرف جيدا وجهته. فكما يقال "ليست هناك رياح مواتية لمن لا يعرفون وجهتهم".
أشياء ساهمت في التميز..
من بين الأشياء التي أسهمت في تألق الركراكي مع الوداد، كونه كان بمشروع واضح، ويدرك المقومات التي تقع تحت تصرفه، ويتحرك وفقا لإرادته، ولا يسمح لأي كان، ولاسيما رئيس الفريق؛ سعيد الناصيري، بأن يتدخل. وكنا، في مرة، نرغب في تصوير تداريب الفريق، وهو مقبل على سفر إفريقي. فطلب منا الرئيس بعض الوقت، ليحصل لنا على الإذن من المدرب.
وحين ذهبنا إلى ملعب محمد بنجلون، بحي وازيس بالدار البيضاء، معقل الوداد الرياضي، لأجل التصوير، وبدا فارغا تماما إلا من اللاعبين، وبعض الأطر التقنية والإدارية، سألني وليد قائلا:"من أعطاكم الإذن بالمجيء للتصوير؟". قلت له:"رئيس الفريق رحب بنا، على أساس أن يحصل منك على إذن". قال:"هكذا إذن. ما دام الأمر بهذا الشكل، فلا بأس. ستصورون معي وحدي فقط، لأنني لا أريد أي تشويش على اللاعبين".
حدث في بعض المرات أن ظهر تراخ على كتيبة الركراكي. النتيجة كانت الهزيمة. أو على الأقل، التعادل، أو الفوز بشق الأنفس. ولأن الجهد بلغ من اللاعبين مبلغا كبيرا، في وقت ما، بسبب مراكمة المباريات محليا وقاريا، فضلا عن بعض التوقفات، وجمع بعضهم بين اللعب مع الوداد والمنتخب الوطني المحلي أو المنتخب الأول، فقد سمعنا وليد يقول، ويكرر، في ندواته الصحفية :"أقول لكم الصدق، الرجاء مرشح للفوز باللقب. لم يسبق لأي فريق أن فاز بلقبين متتاليين منذ سنوات طويلة. إذا فزنا باللقب، وسيكون ذلك للمرة الثانية على التوالي، فشخصيا أعتبرها شيئا كبيرا جدا".
ومن حسن حظ عشاق الكرة المغربية أن الرجاء، غريم الوداد في البيضاء والمغرب والقارة كلها، لم يرم بالمنديل إلى الأرض. بل واصل التحدي، مؤمنا بقدرته على قلب الطاولة لفائدته. وهذا أشعل حرارة الحماس لدى المتتبعين، وجعل من المباريات الأخيرة حلبة تنافس شديد ومثير بين مدرب الوداد، وليد الركراكي، وخصومه، ولاسيما في الرجاء. وقبل يوم واحد من نهاية الموسم، تمكن الفريق الأحمر من حسم اللقب. تمكن من الوصول إلى الحلم.
لقبان كبيران للوداد..
كان عشاق الوداد الرياضي يخرجون من خيمة وردية، وقد توجوا بدوري أبطال إفريقيا، على حساب الأهلي المصري، في نهائي مشهود بملعب مركب محمد الخامس بالدار البيضاء. ومع ذلك، فقد عجز الركراكي عن التعبير عن فرحته. لم يجد لها أسلوبا لائقا. قفز من مكانه مثل حصان لا وجهة له. جلس على العشب للحظات، وكأنه حزين. نهض متجها إلى الجمهور، ثم ارتمى في شباك النهضة البركانية.
واتضح من تلك الصور المتداولة أن نجاح الركراكي يمكن إرجاعه أيضا، وفي جزء كبير منه، إلى الصدق مع الذات. فهذا الشاب، الذي كان يفاجئ الصحافيين، وباستمرار، بتصريحات غير مسبوقة، تبين أنه يمضي وفقا لسريرته. أي أنه، وفوق خبراته، ودبلوماته، وعشقه للكرة، ورغبته في تحقيق الذات، والفوز بالألقاب، فإن صدقه يجعل الآخرين يثقون فيه، وينصاعون له، ويقاتلون كي يكونوا عند حسن ظنه.
من بين ما قاله الركراكي مثلا، عقب نهائي دوري أبطال إفريقيا:"حينما رأيت صورتي في التيفو الودادي، مع اللاعبين، قلت لنفسي، يا لها من ورطة. ماذا سأقول لهم إن خسرنا اللقب؟". قالها ببساطة، وهو يحكي تفاصيل عن الأيام الأخيرة من الإعداد لمباراة الموسم، وكيف شحن اللاعبين، وجعلهم يثقون بأن اللقب من نصيبهم.
وبما أن لكل جواد كبوة. فقد خسر وداد الركراكي الديربي الذي عول عليه الجمهور الأحمر للحسم مع اللقب. كانت الخسارة مستفزة للوداديين، وإن استحق الرجاويون النقط. وتبين أن التراخي أسهم إلى حد كبير في تراجع مستوى عدد من اللاعبين، وقد يؤدي الفريق ثمنه غاليا جدا. خسارة لقب لطالما حلم به وليد، ولاعبوه، وجمهور الوداد.
ومثل أي صفعة تنفع. فقد استجمع وليد، ولاعبوه، كل حماسهم، وراحوا يربحون ما تبقى من مباريات. ليحرزوا لقب البطولة. وفي عز الفرحة، والاحتفاء، والصخب، سقطت تصريحات الركراكي على الوداديين كقطعة ثلج، وهو يلمح إلى مغادرة فريقهم. قال إن ما حققه مع الفريق الأحمر يصعب تكراره، ويريد مدربا آخر ليمضي مع الوداد إلى أفق آخر.
إلى المنتخب الوطني..
الذين يعرفون وليد عن قرب، وعايشوه، يؤكدون أنه كان يرغب في قيادة الأسود من زمان. كان يتحين الفرصة. ولعله ركب على نجاحه مع الوداد كي يسوق نفسه في ظرفية حرجة كان يمر منها المنتخب، لاسيما إثر الخلافات بين البوسني وحيد خاليلوزيتش واللاعبين حكيم زياش ونصير المزراوي. ويقولون إنه حقه، ويزيدون بأنه يصلح بالفعل لقيادة الأسود في الوقت الحاضر.
ولكن، ما الذي يجعل وليد الركراكي هو البروفايل الأصلح لقيادة الأسود؟
من يعرفون قيمة اللاعبين المشكلين للمنتخب الوطني، ومعظمهم يلعب لفرق كبيرة في أوروبا، يؤكدون بأن الأسود لطالما افتقدوا إلى "الغرينتا"، حتى وهم يربحون المباراة تلو الأخرى مع وحيد. فالجماهير العاشقة لكرة القدم كانت تفرح بالفوز، غير أنها كانت تطلب "ملح الطعام"، وهو اللعب بحماس، والقتالية، وبمستوى يليق بالمنتخب المغربي، وقامة لاعبيه.
أي نعم، فوليد الركراكي بنفسه يفضل أن يربح عوض أن يصنع الفرجة. ويقول إنه لا يفهم معنى كلمة "أداء"، أو "أداه"، أو "أدا". غير أنه في حال نجح في إكساب الأسود "الغرينتا" نفسها التي أكسبها للاعبي الوداد، سيكون قطع شوطا كبيرا في النجاح. فالجماهير لديها مطامح مشروعة، إذ تريد الفوز بكأس إفريقيا، والوصول إلى موقع متقدم في منافسات كأس العالم. ولا شك أن الركراكي يعرف هذا، ويريده هو الآخر.
من بين المميزات التي تلعب لفائدة وليد أنه صغير السن، من مواليد 23 شتنبر 1975 في مدينة كورباي إيسون بفرنسا، ويتكلم عدة لغات، ولعب للمنتخب الوطني، ونجح معه، في دورة تونس الإفريقية سنة 2004، فضلا عن أنه نجح في التدريب مع الفتح، والوداد، وطنيا وقاريا أيضا. ثم إنه صار قريبا جدا من الجماهير. وكم يحتاج الأسود إلى تحفيزات الجمهور في هاته المحطة الفارقة من مسارهم.
لو سئل وليد الركراكي عما إذا كان يخاف من الفشل مع الأسود، وبالتالي خسارة كل الرصيد الذي ربحه حتى الآن مع الوداد. فلا شك أنه سيجيب كالتالي: "كاينة. عندك الصح". ثم ينظر إلى الجانب الآخر، حيث تحد كروي جديد. سير.. سير.. سير..
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة