فن وثقافة
شباك التذاكر السينمائي المغربي (4/4) : لماذا تفشل الأفلام المتوجة دوليًا في السوق الوطني؟
13/07/2025 - 22:38
SNRTnews
تُعد ظاهرة عدم قدرة الأفلام المغربية التي تحصد جوائز وتكريمات في المهرجانات السينمائية الدولية على تحقيق نجاح يذكر في شباك التذاكر الوطني، واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتساؤل في المشهد السينمائي المغربي.
أفلام مثل "كذب أبيض" لأسماء المدير، و"أنيماليا" لصوفيا العلوي، و"عصابات" لكمال الأزرق، التي نالت إشادة نقدية عالمية واسعة، سجلت أعداد دخول متدنية للغاية (2.385، 1.053، و 3.266 على التوالي)، مما يضعها في ذيل قائمة الأفلام الأكثر إيرادًا. هذه المفارقة ليست مجرد صدفة، بل هي نتيجة لتفاعل معقد من العوامل التي تستدعي تحليلًا معمقًا.
الفجوة الثقافية والجمالية: صراع الذوق العام والنخبوي
أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الفشل يكمن في الفجوة الثقافية والجمالية بين ما يقدره النقاد والمهرجانات الدولية وما يفضله الجمهور المغربي العريض. غالبًا ما تتبنى هذه الأفلام أساليب فنية أو سردية معقدة، أو تتناول قضايا فلسفية أو وجودية بطرق قد لا تتماشى مع الذوق العام للجمهور المغربي الذي يميل إلى القصص المباشرة، والترفيهية، والتي يسهل فهمها والتفاعل معها. المهرجانات الدولية غالبًا ما تكافئ الأفلام التي تتجاوز الحدود التقليدية، وتطرح رؤى فنية جديدة، وتتحدى الأنماط السردية المألوفة. هذه الأفلام، وإن كانت ذات قيمة فنية عالية، قد لا تجد صدى لدى جمهور يبحث عن تجربة سينمائية مريحة ومألوفة.
غياب التسويق: استراتيجية خاطئة
بعد تحقيق النجاح الدولي، يركز منتجو وموزعو هذه الأفلام بشكل كبير على الترويج للفيلم في الأوساط النقدية والمهرجانات، ويهملون بناء استراتيجية تسويقية فعالة وموجهة للجمهور المغربي. التسويق المحلي يتطلب فهمًا عميقًا للثقافة المحلية، واستخدام قنوات تواصل مناسبة، والتركيز على الجوانب التي تهم المشاهد المغربي. فما يثير إعجاب النقاد في كان أو البندقية قد لا يكون هو نفسه ما يجذب الجمهور في الدار البيضاء أو مراكش.
غالبًا ما تفتقر هذه الأفلام إلى حملات إعلانية قوية على التلفزيون الوطني، أو في دور السينما المحلية، أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي التي يرتادها الجمهور المغربي بكثافة. كما أن الرسائل التسويقية قد تكون موجهة للنقاد أو للمهرجانات، بدلاً من أن تكون موجهة للمشاهد العادي. هذا الغياب في التسويق الموجه محليًا يؤدي إلى عدم معرفة الجمهور بوجود هذه الأفلام، أو عدم فهمهم لطبيعتها، مما يقلل من فرص إقبالهم عليها.
توقعات الجمهور: خيبة الأمل
قد يذهب الجمهور إلى السينما بتوقعات معينة بناءً على ما يشاهده في الإعلانات أو يسمعه من آراء. عندما يجد أن الفيلم لا يلبي هذه التوقعات، أو أنه يختلف تمامًا عن الأفلام التي اعتاد عليها، فإنه قد يشعر بخيبة أمل. هذه الخيبة تؤثر سلبًا على التسويق الشفهي للفيلم، وهو عامل حاسم في نجاح الأفلام في السوق المغربي. فإذا كان الفيلم لا يثير إعجاب المشاهدين، فإنهم لن يوصوا به لأصدقائهم وعائلاتهم، مما يحد من انتشاره ويقلل من عدد المقبلين عليه.
إن الخطوة الأولى والأكثر أهمية لأي صانع أفلام يطمح إلى النجاح التجاري هي الفهم العميق والشمولي للجمهور المغربي؛ إذ على صناع الأفلام إجراء بحث معمق حول اهتمامات المشاهدين، وأنواع الأفلام التي يفضلونها، والقضايا الاجتماعية والثقافية التي تلامس حياتهم اليومية. هذا الفهم لا يجب أن يقتصر على مجرد ملاحظات سطحية، بل يجب أن يستند إلى دراسات سوقية، واستبيانات، ومجموعات تركيز، لتحليل دقيق لتفضيلات الجمهور.
على سبيل المثال، أثبتت الكوميديا قدرتها على جذب الجماهير بشكل كبير، ولكن هذا لا يعني حصر الإنتاج فيها، بل يجب فهم لماذا تنجح الكوميديا (القرب من الواقع، استخدام اللهجة الدارجة، النجومية المحلية) وتطبيق هذه المبادئ على أنواع أخرى من الأفلام. يمكن للدراما الاجتماعية، وأفلام الإثارة، أو حتى أفلام المغامرات أن تحقق نجاحًا إذا ما تم تقديمها بأسلوب يراعي الذوق المحلي ويلامس اهتمامات الجمهور.
عدم الاكتفاء بالنجاح الدولي: التوازن بين الفن والجمهور
على الرغم من أهمية التتويج الدولي في رفع مكانة السينما المغربية على الساحة العالمية، إلا أنه لا يجب أن يكون الهدف الوحيد. يجب على صناع الأفلام الذين يطمحون إلى النجاح التجاري المحلي أن يضعوا في اعتبارهم تفضيلات الجمهور المغربي، وأن يوازنوا بين الطموح الفني والجاذبية الجماهيرية؛ إذ يمكن إنتاج أفلام ذات جودة فنية عالية وتحقق نجاحًا دوليًا، وفي نفس الوقت تكون قادرة على التواصل مع الجمهور المحلي وتحقيق إيرادات جيدة. هذا التوازن هو مفتاح بناء صناعة سينمائية قوية ومستدامة.
إن شباك التذاكر المغربي يقدم دروسًا قيمة لصناع الأفلام. النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على التواصل مع الجمهور، وتقديم قصص تلامس قلوبهم وعقولهم، وتسويق هذه القصص بفعالية.
إن السينما المغربية لديها القدرة على تحقيق نجاحات تجارية وفنية في آن واحد، شريطة أن تتبنى استراتيجية تركز على الجمهور المحلي كأولوية قصوى، وأن تستفيد من نقاط القوة الكامنة في الإنتاج الذاتي، وأن تتعلم من تجارب الأفلام المدعومة التي نجحت في كسر الحواجز.
إن مستقبل السينما المغربية يكمن في قدرتها على أن تكون سينما للجميع، تعكس واقعهم، وتلبي تطلعاتهم، وتساهم في إثراء المشهد الثقافي الوطني.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة