فن وثقافة
الطريقة العيساوية...بين حفظ الزاوية وتعبيرات الفن
04/08/2025 - 21:36
خولة ازنيزني | محمد شافعيعبارات صوفية منظومة وموزونة، تصدح بها أصوات خاشعة تتعالى بذكر الله والصلاة على الرسول ﷺ، في حضرة يغمرها السكون الروحي والانجذاب الوجداني. وأعلام مرفوعة في حلقة محكمة النسق، وأرواح هائمة في العشق الإلهي، تتمايل جسدا وروحا على وقع الطبول والغيطة والدفوف، ومقامات موسيقية تنسج خيوط طقس يستحضر الذاكرة والوجدان والوجد.
طقس تتقاطع فيه الإيقاعات بالأهازيج، وتحضر فيه ملامح تراث مغربي متجذر، تتفرد به الطائفة العيساوية في مشهد روحي لا يشبه سواه.
وبين الأصوات التي تردد الأمداح، والضربات المنتظمة على آلات الإيقاع، يقف "المقدم" ليقود الفرقة ويوجه الإيقاع، حافظا للأوراد ومؤتمنا على استمرارية الطريقة، مؤكدا أن عيساوة ليست مجرد إنشاد أو فرجة فنية، بل ممارسة روحية جماعية لها قواعدها ورموزها وطقوسها الخاصة، حيث لكل عنصر قيمته.
وسط هذا التمازج بين الفن والروح، تبرز طوائف عيساوية ما تزال متمسكة بكامل طقوسها ورموزها، بفضل رجال سخروا أنفسهم لحفظ هذا الإرث اللامادي؛ من بينهم عبد العالي المرابط، مقدم الطائفة العيساوية للركب الفيلالي الأصيل، وأحد حاملي سر الطريقة، الساهرين على توازنها بين الجذور الروحية والتعبير الفني، والحالمين بنقل مشعل هذا التراث من الأجداد إلى الأحفاد.
أوضح عبد العالي المرابط، رئيس الطائفة العيساوية للركب الفيلالي الأصيل، في حديثه لـSNRTnews، أن الموسيقى العيساوية امتداد صوفي خالص، وهي إحدى أبرز الطرق الصوفية بالمغرب، تأسست على يد الشيخ محمد الهادي بن عيسى، المعروف بالشيخ الكامل، خلال القرن السادس عشر، مستمدة أصولها من الطريقة الجزولية الشاذلية.
وقد اضطلعت بدور تربوي وروحي، حيث كان مريدوها يجتمعون على تلاوة القرآن والأوراد، وفي مقدمتها حزب "سبحان الدايم" الذي وضعه الشيخ الكامل، كما تتغنى بأمداح نبوية وقصائد روحية متوارثة، تتوسل إلى الله وتستحضر الرسل وأولياء الله الصالحين.
وأشار المرابط إلى أن الطريقة العيساوية انتقلت من الزوايا والطقوس الخاصة بالمولد النبوي إلى المجال العام، عبر تأسيس فرق موسيقية أدخلت هذا الفن إلى فضاءات الأعراس والمهرجانات والمسارح، وقد مكنها هذا التحول من الخروج من الطابع المغلق للزاوية إلى التعبير الشعبي المفتوح، دون التخلي عن طابعها الصوفي.
وتتميز الموسيقى العيساوية بإيقاعها المتنوع والمتصاعد، حيث تبدأ بوتيرة بطيئة وتتصاعد تدريجيا، محدثة حالة وجد روحية، وتشمل هذه الإيقاعات أنماطا مثل "الموسع"، و"الخفيف"، و"السريع"، وترافقها قصائد وأمداح دينية تتناقل عبر الأجيال دون تغيير.
ويؤكد المرابط أن هذا الفن ليس مجرد غناء، بل أسلوب تربية روحية، يرتبط فيه الذكر بالحركة، والصوت بالإيقاع، ليخاطب الجسد والروح معا.
الليلة العيساوية
تنطلق الليلة العيساوية بقراءة أوراد وابتهالات، في مقدمتها حزب "سبحان الدايم"، تليها مرحلة "الدخلة" أو ما يسمى بـ"الفتوح الرباني"، حيث تصطف الفرقة خلف "المقدم" في دائرة منتظمة، مرتدين "الحنديرة" أو الجلابيب البيضاء المزينة بـ"الموزون"، ويضربون على الدفوف والغيطة، بينما يؤدي "الحضّارة" رقصات متأثرة بالإيقاع، تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، في صف واحد.
وتنطلق تباعا قصائد الذكر: "الحرم" التي تتضرع للحماية في حضرة الرسول ﷺ، ويقول مطلعها: "الحرم يا رسول الله... الأمان يا حبيب الله... "، ثم قصيدة "الدرقاوية" (أيا بابا وأنا خديم سيدي رسول الله)، وقصيدة "حادون"، ثم "الزميتة"، وتُختتم الليلة بـ"الجيلالية" و"المجرد"، حيث تصل اللحظة إلى أقصى درجات الوجد، ويغيب الكلام لتحضر الحركة، ويفسح المجال للتجرد الجسدي والنفسي على وقع متصاعد.
وفي تفسير اسم "المجرد"، تتعدد التأويلات: فمنهم من يراها تجردا من الآلات الموسيقية، وهناك من يربطها بعملية تجريد الغصن من أوراقه، في إشارة إلى طريقة إنشاد الأبيات بسرعة وتتابع.
الزميتة.. من طبق الخطوبة إلى قصيدة عشق
تحضر قصيدة "الزميتة" كواحدة من أبرز لحظات الليلة العيساوية، بمضمونها الذي يجمع بين المدح، والرمز الشعبي، والفرجة، وهي تحيل إلى طبق مغربي تقليدي، إلا أنها في السياق الروحي، تتحول إلى استعارة للغرام والتقوى: "آلالة نبدا آ بسم الله والصلاة على رسول الله.. أيا صداق العيساويات أزميتة...".
يروي المقدم عبد العالي المرابط أن طبق الزميتة كان يقدم قديما لطلب يد الفتاة بمباركة من المقدم، ما يمنحه بعدا رمزيا إضافيا داخل الطقس العيساوي.
فن متكامل.. موسيقى وحركة ولباس وهوية
ما يميز الفن العيساوي أنه ليس مجرد صوت، بل منظومة جمالية متكاملة تشمل الغناء، والإيقاع، والحركة، والرمزيات البصرية.
ويلعب اللباس دورا أساسيا في هوية الطائفة، حيث تعتبر "الحنديرة" وهي قميص صوفي تقليدي كان يرتديه الحرفيون شتاء زيا رسميا لأعضاء الطوائف، يرمز للزهد والانتماء للطريقة، ويمثل علامة فارقة بين "الفقراء" - وهم مريدو الطريقة - وبين العامة.
لكن هذا الزي بدأ يتراجع في بعض الطوائف، ليستبدل بالجلابيب والعمامات، التي تعد شرطا أساسيا للانضمام إلى الفرقة، فالعيساوي لا يقبل في الفرقة ما لم يلتزم بزيها، كما لا يقبل في الطقس ما لم يحفظ "سبحان الدايم"، ويتقن الذكر، ويظهر التواضع، ويلتزم بأخلاقيات الطريقة، وهو ما يؤكده محمد المرابط، عضو الطائفة وابن مقدمها.
من الأجداد إلى الأحفاد
لم يدخل محمد المرابط هذا العالم صدفة، بل ولد فيه، وتربى على أنغامه، مستلهما القدوة من والده.
يقول محمد المرابط، في حديثه لـSNRTnews: "نشأت في بيئة عيساوية صوفية، وورثت هذا الفن عن والدي المقدم عن حب وتشبع بأسلوب ونهج الطريقة، واليوم أحمل المشعل وأواصل ما بدأه جدي وأبي مع الطريقة العيساوية".
بالنسبة له، العيساوية ليست فرجة ولا فنا فقط، بل هي مدرسة أخلاقية وروحية تنقل من جيل إلى جيل، بقواعد صارمة تتجاوز الأداء الفني إلى التربية السلوكي التي تشمل الاحترام، وتواضع، والالتزام، وهي مقومات الانتماء الحقيقي لهذه الطريقة، التي ظلت شاهدة على تاريخ طويل من التدين الشعبي بالمغرب، ومكونا أصيلا من الهوية الفنية الروحية للمغاربة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة