مجتمع
أي مستقبل لإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة بالمجتمع؟
10/10/2025 - 11:34
خولة ازنيزني
يشكل إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في المنظومتين التعليمية والمهنية أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية، رغم ما تحقق من خطوات قانونية ومؤسساتية منذ المصادقة على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للتربية الدامجة سنة 2019، التي اعتبرت رافعة أساسية لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
تنص هذه الاستراتيجية على أن وظيفة المدرسة اليوم لم تعد تقتصر على التمدرس فحسب، بل تتجلى في ضمان عرض تربوي دامج يتيح لهذه الفئة الحق في التعلم إسوة بباقي الأطفال، في إطار مدرسة تكرس قيم الإنصاف وتكافؤ الفرص.
دمج غير مكتمل رغم القوانين
يؤكد عبد المجيد مكني، رئيس تحالف النهوض بالأشخاص في وضعية إعاقة، أن المغرب راكم مكاسب مهمة على مستوى الاستراتيجيات لدعم الأشخاص في وضعية إعاقة، غير أن تنزيلها ما يزال محدود الأثر.
ويعتبر مكني، في تصريحه لـSNRTnews، أن المدرسة المغربية ما تزال تشتغل في كثير من الأحيان بمنطق "الإدماج الشكلي" أكثر من الفعلي، داعيا إلى مراجعة الاستراتيجية التعليمية لتكون مؤهلة لاستقبال مختلف فئات الإعاقة، بما فيها الحالات المركبة أو المعقدة.
كما شدد نائب رئيس اللجنة الأممية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على أهمية التوفيق بين روح الاتفاقيات الدولية وممارسات الوزارة الوصية، خصوصا في ما يتعلق بضمان الحق في التعلم بغض النظر عن السن أو نوع الإعاقة، منتقدا استمرار اعتماد لجان طبية لتقييم الأطفال قبل ولوجهم المدرسة، بدل تقييم أدائهم بعد التمدرس، وهو ما يقصي العديد منهم منذ البداية.
وأشار إلى أن التعليم العمومي لا يزال عاجزا عن استيعاب الأطفال ذوي الإعاقة السمعية والبصرية بشكل كاف، مبرزا تراجع تمدرس الصم والمكفوفين في السنوات الأخيرة.
كما دعا إلى تطوير المناهج الدراسية ومأسسة لغة الإشارة وتعميم تقنيات القراءة بطريقة برايل، إلى جانب تجهيز المؤسسات التعليمية بموارد بشرية مؤهلة، تضم إلى جانب المدرسين مختصين نفسيين ومقومين للنطق وأخصائيين في الترويض الطبي.
كما نبه إلى محدودية تكوين الأطر التربوية الذي يظل في الغالب نظريا، دون تمكينهم من أدوات بيداغوجية عملية، مما يؤثر على جودة التعلمات ويضعف فعالية الجهود المبذولة، مشددا على أن مبدأ التكييف يجب أن يشمل جميع مراحل التعلم، بما فيها الامتحانات الإشهادية، بشكل تلقائي دون الحاجة إلى إجراءات إدارية معقدة.
ويرى أن هذه الإكراهات تفسر ضعف عدد المترشحين لامتحانات البكالوريا من هذه الفئة، والذي لا يتجاوز 2000 تلميذ سنويا رغم التطور النسبي في الأرقام.
بين التعليم والشغل.. مسار الإدماج المفقود
ولا يتوقف التحدي عند حدود المدرسة، بل يمتد إلى سوق الشغل، حيث تبقى فرص الإدماج محدودة رغم تخصيص 200 منصب سنوي للأشخاص في وضعية إعاقة في الوظيفة العمومية.
ويعتبر مكني أن هذه المناصب تبقى رمزية مقارنة بحجم الفئة، مشيرا إلى أن الإدماج الحقيقي لا يقتصر على التشغيل، بل يشمل التأهيل والتمكين من المساهمة الفعلية داخل المؤسسة.
وفي المقابل، يثمن المتحدث المبادرات المواطِنة لبعض المقاولات التي أطلقت برامج إدماج ناجحة لفئات من الأشخاص في وضعية إعاقة، داعيا إلى تشجيع هذه التجارب عبر تحفيزات ضريبية وشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ويشدد على ضرورة خلق تنسيق فعلي بين وزارات التعليم والتضامن والشغل، لتحديد ميزانية واضحة لتمويل برامج التشغيل والتأهيل، وضمان إدماج هذه الفئة ضمن خارطة الطريق الاجتماعية.
تراجع مقلق في نسب التمدرس
في هذا السياق، كشف تقرير المرصد المغربي للتربية الدامجة عن تراجع في عدد التلاميذ ذوي الإعاقة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بنسبة 30 في المائة، إذ انتقل العدد من 95 ألفا سنة 2021 إلى 65 ألفا سنة 2024.
كما أشار التقرير إلى أن من بين كل 100 طفل في سن التمدرس، لا يتمدرس سوى 55 في المائة، بينما لا يتجاوز عدد من يصلون إلى امتحانات البكالوريا 6 تلاميذ فقط.
ويقول أحمد الحوات، رئيس المرصد المغربي للتربية الدامجة، إن المغرب أحرز تقدما في التشريعات المرتبطة بالتربية الدامجة، لكن الأسر ما تزال تتحمل أعباء مالية ثقيلة، إذ تصل كلفة المرافقة المدرسية إلى 2000 أو 3000 درهم شهريا، مما يحول دون تسجيل آلاف الأطفال في المدارس.
ويضيف الحوات أن المرسوم الوزاري رقم 47.19 لسنة 2019، الذي يُلزم الأسر بتغطية تكاليف مُرافقة الحياة المدرسية، ساهم في تراجع نسب الالتحاق، مطالبا بمراجعة هذا القرار بما ينسجم مع المقاربة الحقوقية المنصوص عليها في الدستور والاتفاقيات الدولية.
كما أشار إلى ضعف انخراط مؤسسات التعليم الخصوصي في التربية الدامجة، داعيا إلى تمكين الأطفال في وضعية إعاقة أو هشاشة اجتماعية من خدمات هذه المؤسسات طبقا للمادة 13 من القانون الإطار رقم 51.17 من منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
ولفت الحوات إلى تعثر تفعيل القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة ما يتعلق بإرساء نظام تقييم الإعاقة وبطاقة الشخص في وضعية إعاقة، إلى جانب التأخر في إصدار النصوص التنظيمية الخاصة بالتسهيلات في المباريات والامتحانات.
وأكد على أهمية دعم التمويل العمومي لبرامج التربية الدامجة والانفتاح على نموذج مدارس الريادة التي تراعي التنوع الوظيفي والاختلافات الفردية. كما ذكر التعثر في تفعيل بطاقة الشخص في وضعية إعاقة باعتبارها أداة أساسية لضمان الولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية والتأهيلية، وهو مطلب ظل مؤجلا منذ أربعة عقود.
أصوات المجتمع المدني تدق ناقوس الخطر
من جانبها، عبرت بديعة صلاحي، رئيسة جمعية الحق في الحياة، عن قلقها من توقف عدد من الجمعيات والمراكز الاجتماعية التي كانت تتكفل بدعم تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، بسبب تأخر صرف المنح المخصصة لها، مما أثر على الأسر والأطر العاملة في هذا المجال.
وتقول، في تصريحها لـSNRTnews: "إن أكثر من 30 ألف طفل حرموا من خدمات الدعم المدرسي، فيما فقد نحو 9000 عامل اجتماعي وظائفهم بعد توقف التمويل"، داعية إلى إعادة النظر في آليات دعم الجمعيات لضمان استمرارية خدماتها واستقلاليتها.
وتؤكد صلاحي على أهمية إشراك هذه الفئة باعتبارها جزءا من المجتمع، وتقديم الدعم اللازم لها ولأسرها عبر برامج متكاملة تشمل التعليم والتأهيل والتشغيل.
كما تشدد على أن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في التعليم وسوق العمل يظل رهين تفعيل فعلي للإرادة السياسية، وتجاوز المقاربات التقنية والظرفية نحو رؤية شمولية ترتكز على الكرامة والمواطنة والمساواة في الفرص.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع