اقتصاد
هل يحيط التعريف الجديد للبطالة بالمغرب بحقيقتها؟
07/05/2026 - 20:04
وئام فراج
قررت المندوبية السامية للتخطيط الانتقال من “البحث الوطني حول التشغيل” إلى “بحث القوى العاملة”، ابتداء من سنة 2026، بهدف ملاءمة جهاز رصد سوق الشغل المغربي مع المعايير الدولية الجديدة، وتقديم قراءة أكثر تفصيلا وتعقيدا لوضعية البطالة والهشاشة المهنية بالمغرب.
ويبرز مفهوم البطالة كأحد أهم عناصر هذا التحول، بعدما تخلت المندوبية عن التعريف السابق المعتمد في إطار المؤتمر الثالث عشر لإحصائيي العمل، لتتبنى ما يسمى “البطالة بالمفهوم الضيق”، وفق توصيات المؤتمر التاسع عشر لإحصائيي العمل التابع لمنظمة العمل الدولية.
تحديد البطالة الحقيقية
وحسب ما أوردته المندوبية في مذكرة تقنية تشرح التطور المفاهيمي والمنهجي لجهاز رصد سوق الشغل الخاص بها من البحث الوطني حول التشغيل إلى بحث القوى العاملة، فإن النظام السابق كان يدمج ضمن فئة العاطلين بعض الأشخاص الذين توقفوا عن البحث الفعلي عن عمل، رغم رغبتهم في الاشتغال، وهو ما كان يخلق، وفق الوثيقة، نوعا من "القصور" في تحديد البطالة الحقيقية والضغط الفعلي على سوق الشغل.
ويقوم المفهوم الجديد للبطالة على ثلاثة شروط متزامنة: أن يكون الشخص بدون عمل خلال الأسبوع السابق للاستجواب، وأن يكون قد قام بخطوات فعلية للبحث عن عمل خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، وأن يكون مستعدا للالتحاق بالعمل خلال الأسبوعين المواليين.
أما الأشخاص الذين لا يعملون لكنهم توقفوا عن البحث بسبب الإحباط أو غياب الفرص، أو أولئك الذين يبحثون عن عمل دون أن يكونوا جاهزين للالتحاق الفوري به، فلن يُحتسبوا ضمن العاطلين وفق التعريف الجديد، بل سيُصنفون ضمن ما يسمى "القوى العاملة المحتملة"، أو "الهالة حول البطالة".
وتعتبر المندوبية أن هذا الفصل لا يعني تجاهل هذه الفئات، بل "يهدف إلى جعلها مرئية إحصائيا بشكل أدق، بعدما كانت تذوب داخل مؤشر البطالة التقليدي دون تمييز بين من يمارس ضغطا فعليا ومباشرا على سوق الشغل، ومن يوجد ضمن "مخزون كامن" من اليد العاملة غير المعبأة بعد".
قياس اختلالات سوق الشغل
وتشرح المذكرة التقنية أن الانتقال إلى البطالة بالمفهوم الضيق لا يمكن فهمه بمعزل عن اعتماد مؤشرات جديدة لقياس "الاستخدام غير الكامل للقوى العاملة"، إذ لم تعد البطالة المؤشر الوحيد لقياس اختلالات سوق الشغل.
وفي هذا الإطار، ستعتمد المندوبية أربعة مؤشرات متكاملة، تشمل البطالة بالمفهوم الضيق، والشغل الناقص المرتبط بعدد ساعات العمل، والقوة العاملة المحتملة، ثم مؤشرا مركبا يجمع الأشكال الثلاثة للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة.
وترى المندوبية أن هذا التحول يسمح بتجاوز “القراءة الأحادية” السابقة للبطالة، ويوفر فهما أكثر دقة لبنية سوق الشغل، عبر التمييز بين البطالة الظرفية المرتبطة بنقص فرص العمل، وبين الإشكالات البنيوية المرتبطة بالإحباط أو ضعف الملاءمة أو الهشاشة الاجتماعية.
القوة العاملة المحتملة
من الأمثلة التي أوردتها الوثيقة، الشخص الذي كان يبحث عن عمل ثم توقف عن ذلك منذ أكثر من أربعة أسابيع بسبب اليأس. ففي النظام القديم كان يعتبر عاطلا، بينما في النظام الجديد سيصنف ضمن "القوة العاملة المحتملة"، باعتباره لم يعد يمارس ضغطا فعليا ومباشرا على سوق الشغل. وتقول المندوبية إن هذا التغيير يتيح لأول مرة رصد ظاهرة “اليأس من البحث عن العمل” بشكل مستقل وواضح.
كما أن شخصا يشتغل في إنتاج موجه للاستهلاك الذاتي فقط، ويبحث في الوقت نفسه عن عمل مأجور، لم يعد يعتبر "مشتغلا" كما في النظام السابق، بل يمكن تصنيفه عاطلا إذا استوفى شروط البحث والاستعداد للعمل، لأن الأنشطة غير الموجهة للسوق لم تعد تدخل ضمن مفهوم الشغل المعتمد دوليا.
وتؤكد المندوبية أن الهدف من هذا التحديث هو تحسين قابلية المقارنة الدولية للمؤشرات المغربية، وتوجيه السياسات العمومية بشكل أدق، خصوصا في ما يتعلق بسياسات التشغيل وإدماج الفئات الهشة، إضافة إلى توفير صورة أكثر واقعية عن التحولات التي يعرفها سوق الشغل، بما فيها العمل عبر المنصات الرقمية، والهشاشة المهنية، والعمل غير المنظم.
معدل البطالة: 10,8% و 22,5 %
يشار إلى أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق استقر في حدود 10,8 في المائة على الصعيد الوطني، خلال الفصل الأول من سنة 2026، مسجلا أعلى مستوياته لدى النساء بنسبة 16,1 في المائة مقابل 9,4 في المائة لدى الرجال.
وحسب ما جاء في مذكرة إخبارية للمندوبية حول "وضعية سوق الشغل بالمغرب، خلال الفصل الأول لسنة 2026.. البحث الجديد حول القوى العاملة (EMO2026)"، سُجل أعلى معدل لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة بنسبة 29,2 في المائة، يليهم الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 25 و34 سنة بنسبة 16,1 في المائة.
ويصل المعدل المركب للبطالة بالمفهوم الضيق والشغل الناقص المرتبط بساعات العمل، الذي يحصر حجم قوة العمل التي تعاني من نقص في ساعات العمل (كليا أو جزئيا)، إلى 16,6 في المائة على الصعيد الوطني.
وبلغ ذلك المعدل 18,3 في المائة بالوسط الحضري و13,6 في المائة بالوسط القروي. كما بلغ هذا المعدل 19,8 في المائة في صفوف النساء مقابل 15,7 في المائة في صفوف الرجال.
ويرتفع المعدل المركب للبطالة بالمفهوم الضيق والقوى العاملة المحتملة، الذي يحيط بحجم الضغط الحالي والمحتمل على سوق الشغل، إلى نسبة 17,1 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026.
وقد وصل ذلك المعدل إلى 20,4 في المائة بالوسط الحضري مقابل 11,2 في المائة بالوسط القروي. ويبلغ هذا المعدل 27,9 في المائة لدى النساء مقابل 13,9 في المائة لدى الرجال.
وقفز المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة، الذي يجسد الحجم الإجمالي للنقص في استخدام القوى العاملة (من خلال دمجه للبطالة بالمفهوم الضيق، والشغل الناقص المرتبط بساعات العمل، والقوى العاملة المحتملة)، إلى 22,5 في المائة على المستوى الوطني (24,8 في المائة بالوسط الحضري و18,3 في المائة بالوسط القروي).
ويعد بحث القوى العاملة 2026 أول بحث من الجيل الجديد للبحوث حول سوق الشغل في المغرب، وفق المندوبية، مشيرة إلى أنه يأتي ليعوض البحث الوطني حول التشغيل.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة