مجتمع
السكن والشغل والتقاعد ..حقائق عن كبار السن في المغرب
16/12/2025 - 23:36
خولة ازنيزني
لم تعد شيخوخة الهرم السكاني في المغرب مجرد مؤشر إحصائي عابر، بل تحولت إلى واقع ديموغرافي متسارع، مصحوب بتحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة.
أفاد تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط أن المغرب يقطنه أزيد من خمسة ملايين شخص يبلغ عمرهم 60 سنة فما فوق، أي ما يعادل 13,8 في المائة من مجموع السكان. ويعكس هذا الرقم تضاعف عدد المسنين بأكثر من الضعف خلال عشرين سنة فقط، بعدما كان في حدود 2,3 مليون سنة 2004، تسارعت الشيخوخة الديموغرافية بشكل لافت خلال العقد الأخير، مسجلة ارتفاعا يقارب 59 في المائة، في وقت عرف فيه النمو السكاني العام تباطؤا ملحوظا.

وتتوقع المندوبية أن يستمر هذا المنحى التصاعدي خلال العقود المقبلة، حيث يرتقب أن يبلغ عدد المسنين نحو ستة ملايين سنة 2030، وأكثر من سبعة ملايين سنة 2040، ليصل إلى حوالي عشرة ملايين شخص في أفق سنة 2050، ما سيجعل هذه الفئة تمثل قرابة ربع سكان المغرب.
نحو انتقال ديموغرافي
ويعزى هذا التحول أساسا إلى الانتقال الديموغرافي الذي يشهده المغرب، والمتمثل في انخفاض معدلات الخصوبة، مقابل الارتفاع المستمر في متوسط العمر المتوقع، فقد بلغ مؤشر الخصوبة الإجمالي سنة 2024 حوالي 1,97 طفل لكل امرأة، أي دون عتبة تجدد الأجيال، في حين ارتفع متوسط العمر المتوقع إلى 77,2 سنة.
وقد أدى هذا التداخل بين انخفاض الولادات وتحسن شروط العيش والصحة إلى إعادة تشكيل البنية العمرية للسكان.
ويستفاد من نتائج إحصاء السكان الذي أُجري في العام الماضي، حسب تقرير المندوبية السامية للتخطيط، تراجع نسبة الشباب دون 15 سنة إلى 26,5 في المائة سنة 2024، مقابل 31 في المائة سنة 2004، فيما ارتفعت نسبة كبار السن، ومن المتوقع أن تتقارب مع نسبة الشباب بحلول أوائل الأربعينيات، حيث انتقل عدد المسنين من أقل من 26 شخصا لكل 100 شاب سنة 2004 إلى حوالي 52 مسنا لكل 100 شاب سنة 2024.

وارتفع معدل الإعالة الخاصة بكبار السن من 13,1 في المائة سنة 2004 إلى 22,8 في المائة سنة 2024، مع توقع بلوغه 39,4 في المائة في أفق 2050، ما يضع ضغطا متزايدا على الساكنة النشيطة وأنظمة التقاعد والخدمات الاجتماعية.
شيخوخة ذات طابع حضري
وتشير معطيات الإحصاء إلى أن الشيخوخة لم تعد ظاهرة قروية فقط، بل أصبحت تأخذ طابعا حضريا متزايدا، ففي غضون عشرين سنة، تضاعف عدد المسنين المقيمين في المدن بأكثر من 2,6 مرات، مقابل نمو أبطأ في الوسط القروي. ويقيم حاليا حوالي 63,7 في المائة من المسنين في المناطق الحضرية، نتيجة الهجرة القروية للأجيال السابقة، وانخفاض الخصوبة في المدن، وتحسن الولوج إلى الخدمات الصحية.
وحول السكن، فقد أظهر التقرير أن 81,6 في المائة من كبار السن يمتلكون مساكنهم، تصل إلى 91 في المائة في القرى، ما يحد من مخاطر الإسكان، لكن البنية التحتية الأساسية مثل المياه والصرف الصحي لا تزال محدودة في المناطق القروية مقارنة بالمدن.
كما تبرز المعطيات ظاهرة تأنيث الشيخوخة، إذ تشكل النساء 51,2 في المائة من مجموع المسنين، وترتفع هذه النسبة مع التقدم في السن، خصوصا بعد 80 عاما، بفعل ارتفاع متوسط العمر المتوقع لدى النساء، غير أن هذا التفوق العددي لا يوازيه بالضرورة وضع اجتماعي أفضل، إذ تظهر الفوارق بوضوح في الحالة العائلية، حيث إن أكثر من 90 في المائة من الرجال المسنين ما زالوا متزوجين، مقابل 52 في المائة فقط من النساء، فيما تعيش حوالي أربع نساء مسنات من كل عشر في وضعية ترمل، مقابل رجل واحد فقط من كل خمسة وعشرين، ما يزيد من هشاشتهن الاجتماعية والاقتصادية.
اقتصاديا، تظل مشاركة كبار السن في سوق الشغل محدودة، حيث لا يتجاوز معدل النشاط 16,1 في المائة ويعزى ذلك إلى التقدم في السن وغياب وسائل لمواصلة العمل.
ويمثل المسنون الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و69 سنة حوالي 58,6% من هذه الفئة السكانية، في حين يمثل الأشخاص البالغون 70 سنة فما فوق نسبة 41,4% من هذه الفئة. ومن بين المسنين النشيطين، يشتغل حوالي نصفهم لحسابهم الخاص، في أنشطة غير مستقرة وغالبا دون أي تغطية اجتماعية، ويكشف التقرير أن 45 في المائة من المسنين الذين بلغوا سن التقاعد ما زالوا يزاولون نشاطا مهنيا مستقلا، وذلك بسبب غياب دخل قار.

أما الولوج إلى التقاعد، فلا يستفيد من معاش تقاعدي سوى 33,6 في المائة من الرجال، مقابل 6,7 في المائة فقط من النساء، بالنظر إلى ضعف اندماجهن سابقا في سوق الشغل النظامي. وتعكس هذه الوضعية اعتمادا ماليا على الأسرة، وتبرز محدودية أنظمة التقاعد الحالية، خاصة فيما يتعلق بتغطية العاملين في القطاع غير الرسمي، لاسيما في العالم القروي والقطاع الفلاحي.
على المستوى الصحي، تتزايد الحاجيات مع التقدم في السن، حيث يوجد 18,5 في المائة من المسنين في وضعية إعاقة، وترتفع هذه النسبة إلى حوالي 38 في المائة لدى من تجاوزوا 75 سنة. ورغم تحسن التغطية الصحية خلال السنوات الأخيرة لتبلغ 69,2 في المائة، فإنها لا تزال تعرف تفاوتات واضحة حسب الجنس ومكان الإقامة، إذ تقل نسبة التغطية لدى النساء (65,1 في المائة) مقارنة بالرجال (73,4 في المائة)، كما تنخفض في الوسط القروي مقارنة بالمناطق الحضرية.
ويظل القطاع العام الفاعل الأساسي في تقديم الرعاية الصحية لكبار السن، خاصة في القرى، غير أن بعد المرافق الصحية ونقص التجهيزات المتخصصة يشكلان عائقا، في حين لا يتلقى 3,2 في المائة من المسنين أي علاج طبي، ما يطرح إشكالات مرتبطة بالولوج إلى العلاج.
سياسات عمومية أمام اختبار الشيخوخة
وتخلص المندوبية السامية للتخطيط إلى أن تسارع الشيخوخة الديموغرافية يفرض مراجعة للسياسات العمومية، من أجل ضمان شيخوخة كريمة ومستدامة، ويشمل ذلك إصلاح أنظمة التقاعد وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، خاصة العاملين في القطاع غير الرسمي، وتعزيز الخدمات الصحية والاجتماعية، ومحاربة العزلة، وتقليص الفوارق المجالية والنوعية.
وفي ظل هذه التحولات، لم يعد التعامل مع الشيخوخة كملف اجتماعي هامشي ممكنا، بل أضحى تحديا بنيويا يعيد طرح أسئلة جوهرية حول النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمغرب في العقود المقبلة.
وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد أوصى في تقرير له حول "الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص المسنين بالمغرب"، بتسريع تنفيذ خطة العمل الوطنية للشيخوخة النشيطة 2023-2030، وتقوية الاندماج بين محاورها وإجراءاتها، واعتماد قانون إطار لتحديد الأهداف الأساسية للإدماج الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص المسنين.
واقترح المجلس تدابير فورية لتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، تشمل رفع المعاشات، وتحسين التأمين الصحي الأساسي، وإدماج الرعاية المنزلية، وتيسير ولوج المسنين لسوق الشغل مع اعتماد أشكال عمل مرنة وجمع الأجر مع المعاش التقاعدي.
كما أوصى بتقديم تحفيزات ضريبية للشركات التي توظف المسنين، وتشجيع مبادراتهم المقاولاتية، وتثمين خبراتهم، خاصة من مغاربة العالم، عبر منصة وطنية لتسهيل شبكات الخبرة.
وعلى المدى الطويل، دعا المجلس إلى تطوير اقتصاد فضي يحول شيخوخة السكان إلى رافعة اقتصادية واجتماعية، من خلال نموذج مبتكر للرعاية والرفاه والمشاركة، وربط الطلب الاستهلاكي للمسنين بعرض خدمات ملائمة وخلق فرص شغل مستدامة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
سياسة
مجتمع
مجتمع