مجتمع
اضطراب النطق عند الأطفال…ظاهرة شائعة بأبعاد متعددة
28/12/2025 - 09:27
خولة ازنيزني
في ظل التحول الرقمي المتسارع، باتت الشاشات الإلكترونية جزءا من الحياة اليومية للأطفال، منذ أشهرهم الأولى، سواء كوسيلة تهدئة أو ترفيه أو حتى تعليم، غير أن هذا الحضور بدأ يثير قلق المختصين لأسباب تأثير الاستعمال المفرط للهواتف الذكية والألواح الإلكترونية على تطور اللغة والتواصل. فهذه الوسائط، رغم طابعها الترفيهي والتعليمي الظاهري، يعتبرها الخبراء من أهم العوامل المساهمة في اضطراب النطق والتواصل، كما قد تحرم الطفل من أهم محفز لتعلم الكلام؛ وهو التفاعل الإنساني المباشر.
وتحذر أخصائية تقويم النطق والتخاطب غزلان لحلو، في تصريحها لـSNRTnews من أن الشاشات تعوض اللعب والكلام وقراءة القصص، وتحرم الطفل من التواصل الحي، وهو الوسيلة الأساسية لتطوير اللغة وتعلم المهارات التواصلية، معتبرة أن الإفراط في استعمالها يعد عاملا بيئيا مباشرا في ظهور اضطرابات النطق والكلام لدى الأطفال.
يعد تأخر أو عسر النطق من أكثر الاضطرابات النمائية شيوعا خلال الطفولة المبكرة، وتشير معطيات إحصائية إلى أن نحو 15 في المائة من الأطفال في سن السنتين يعانون من تأخر في النطق، في حين لا يتمكن سوى 70 في المائة منهم من تجاوز هذه الصعوبات قبل سن الرابعة، بينما تستمر الحالة لدى فئة أخرى لتتحول إلى اضطرابات نطق دائمة بعد سن الخامسة.
وتوضح لحلو أن السنوات الممتدة ما بين السنتين والخمس سنوات تعد مرحلة حاسمة في تطور اللغة، حيث ينتظر من الطفل أن يكتسب مفردات جديدة، ويبدأ في تركيب جمل مفهومة ومتناسقة مع عمره. وعندما لا يتحقق ذلك، يصبح الحديث عن تأخر في النطق أمرا مطروحا، خاصة إذا ترافق مع ضعف التفاعل أو غياب المحاولات التواصلية.
وتشير الأخصائية إلى أن اضطرابات النطق لا تتخذ شكلا واحدا، بل قد تظهر في صورة:صعوبات في نطق بعض الأصوات أو استبدالها بأصوات أخرى، أو التلعثم أو التمتمة، أوعسر الكلام الذي يؤثر على وضوح الرسالة، وصعوبات في فهم اللغة أو التعبير عنها.
كما تشدد على أهمية التمييز بين اضطراب النطق، المرتبط بإخراج الأصوات أو تنسيق حركات الكلام، واضطراب اللغة الذي يمس الفهم والتعبير وبناء الجمل. فغياب هذا التمييز قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ وبرامج علاجية غير ملائمة.
ورغم أن الإفراط في استعمال الشاشات يعد عاملا مؤثرا، إلا أن لحلو تؤكد أن اضطرابات النطق غالبا ما تكون نتيجة تداخل عدة أسباب، من بينها:
أسباب عضوية وفيزيولوجية: مثل قصر رابط اللسان، ضعف أو ارتخاء عضلات الفم واللسان، أوتشوهات سقف الحلق، أومشاكل الأسنان، وصعوبات المضغ والبلع.
أسباب عصبية: كالتأخر في النمو العصبي، أو التشوهات الخلقية في الدماغ، أو نقص الأكسجين أثناء الولادة، أو الشلل الدماغي.
أسباب نفسية وانفعالية: مرتبطة بالحرمان العاطفي، أوالقلق الشديد، أو غياب التفاعل الأسري.
أسباب بيئية: في مقدمتها الاستعمال المفرط للشاشات، وازدواجية اللغة غير المؤطرة.
مؤشرات مبكرة لا يجب تجاهلها
وتشدد الأخصائية على أن هناك علامات تستوجب الانتباه المبكر من طرف الوالدين، من بينها :ضعف إصدار الأصوات في الأشهر الأولى، أو قلة المفردات أو صعوبة نطق الكلمات البسيطة في السنة الثانية، أوعدم الاستجابة للنداء أو للأوامر البسيطة، أو الاعتماد على الإيماءات بدل الكلام، أو ملاحظة كلام غير مفهوم مقارنة بأطفال في نفس العمر، أو حذف أو تبديل الأصوات بعد سن الخامسة.
وترى لحلو أن تجاهل هذه المؤشرات، أو اعتبارها “مرحلة عابرة”، قد يؤدي إلى تفاقم الخلل وصعوبة علاجه لاحقا، كما قد يؤثر على تشخيص اضطرابات أخرى مثل ضعف في السمع ونمو بطيء أو إعاقة ذهنية أو الإصابة بالتوحد.
وتشدد أخصائية النطق والتقويم أن التشخيص والتدخل المبكر يشكلان حجر الأساس في علاج اضطرابات النطق، فخلال السنوات الأولى، يتمتع دماغ الطفل بمرونة عصبية عالية، وقدرة كبيرة على التعلم وإعادة التنظيم، ما يسمح بتصحيح الخلل وتفادي استمراره إلى مراحل متقدمة.
في المقابل، تحذر لحلو من أن العلاج غير الصحيح أو غير المنتظم قد يكرس الخلل بدل تصحيحه، خاصة إذا لم يكن مبنيا على تشخيص دقيق.
وتضيف أن التدخل الخاطئ قد يضيع وقتا ثمينا، ويخفي اضطرابات أعمق مثل ضعف السمع أو اضطراب طيف التوحد، ما ينعكس سلبا على المسار الدراسي والنفسي والاجتماعي للطفل، ويؤثر على ثقته بنفسه وقدرته على بناء علاقات في المستقبل.
الشاشات وفقا لدراسات علمية
وتدعم دراسات علمية حديثة هذه التحذيرات، إذ أظهرت أبحاث نشرت في دورية الجمعية الأمريكية لطب الأطفال أن الأطفال الذين يقضون وقتا أطول أمام الشاشات يتفاعلون أقل مع البالغين، ويسمعون عددا أقل من الكلمات، ما يؤدي إلى تأخر في النمو اللغوي.
كما أفادت منظمة الصحة العالمية، في إرشاداتها بضرورة تقليص وقت الشاشات لدى الأطفال دون سن الخامسة إلى أقل من ساعة يوميا، مع تشجيع اللعب النشط والتفاعل الأسري، وتشير معطيات أخرى إلى أن الأطفال في سن 36 شهرا يسجل لديهم التأثير الأكبر، حيث يمكن أن يفقدوا تعلم مئات الكلمات يوميا بسبب تقلص الحوار داخل الأسرة.
وفي ختام حديثها، تؤكد غزلان لحلو أن الوقاية من اضطرابات النطق تبدأ من ممارسات يومية بسيطة، مثل: الإكثار من الحديث مع الطفل في مختلف المواقف، وقراءة القصص ومشاركة اللعب، وتقليد الأصوات وأصوات الحيوانات، وتقوية عضلات النطق بأنشطة النفخ، وتنظيم وقت استعمال الشاشات وإحداث فترات خالية منها خلال اليوم.
وتخلص الأخصائية إلى أن اللغة لا تكتسب من الأجهزة، بل من العلاقات الإنسانية، داعية الآباء والمربين إلى وعي أكبر بدورهم في بناء تواصل سليم يحمي الأطفال من صعوبات قد تمتد آثارها إلى مراحل متقدمة من حياتهم.
مقالات ذات صلة
مجتمع
عالم
عالم
مجتمع