مجتمع
حقوق الإنسان تحت مجهر البيانات.. الإعداد لتوحيد منهجيات التقييم
29/01/2026 - 15:49
يونس أباعلينظم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الخميس 29 يناير 2026، ورشة وطنية تقنية حول مؤشرات حقوق الإنسان بالمغرب، تروم الانتقال من المقاربة الوصفية والمعيارية إلى تحويل مفاهيم الحقوق والحريات إلى مؤشرات إحصائية قابلة للرصد والقياس والتقييم.
جمعت هذه الورشة خبراء في مجال حقوق الإنسان، وفاعلين جمعويين، ومتخصصين في الإحصاء ورصد المؤشرات، في سياق يؤكد فيه المجلس أن منظومة حماية حقوق الإنسان تشهد تحولا "باراديغماتيا" عميقا، انتقلت بموجبه من خطاب كيفي معياري إلى مقاربة كمية صارمة قائمة على الأدلة والمعطيات.
ويراهن المجلس، من خلال إنتاج مؤشرات وطنية لحقوق الإنسان، على توفير أداة مرجعية لرصد وتقييم جهود إعمال الحقوق، عبر تقديم صورة دقيقة عن وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، وتحليل العمليات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بحمايتها، مع تسليط الضوء على طبيعة الانتهاكات المسجلة على المستوى الوطني.
كما ستمكن هذه المؤشرات من التحقق مما إذا كانت الانتهاكات المسجلة حالات معزولة أم ممارسات منتظمة وممنهجة، والكشف عن الأسباب البنيوية لاستمرارها، ورصد التطورات والتحديات ذات الصلة، فضلا عن قياس درجة امتثال الدولة لالتزاماتها القانونية الوطنية والدولية.
ويُنتظر من الورشة أن تعتمد "المصفوفة الوطنية لمؤشرات حقوق الإنسان"، ستُشكل خارطة طريق لمرحلة جمع البيانات وإعداد التقرير المرجعي من طرف المجلس حول حالة حقوق الإنسان بالمغرب.
بوعياش: التقييم الحالي مشتت وغير موضوعي
أكدت آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في كلمتها الافتتاحية، أن مرحلة الاعتراف بحقوق الإنسان انصبت أساسا على بناء ترسانة قانونية ومعايير دولية لحماية الحقوق والحريات، غير أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال إلى قياس فعلية هذه الحقوق على أرض الواقع.
وشددت بوعياش على أن مواكبة هذا التحول تستوجب تجاوز الدور التقليدي للمجلس كمجرد "جهة رصد" تتفاعل مع الانتهاكات، نحو الاضطلاع بدور "مُقيِّم علمي" قادر على تدقيق الأثر الحقيقي للسياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي تصريح لـSNRTnews، أوضحت رئيسة المجلس أن المغرب راكم مجهودات وبرامج ومبادرات مهمة على المستويات القانونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، غير أن تقييم هذه الجهود يظل مشتتا في غياب مؤشرات وطنية موحدة وموضوعية لقياس الوضع الحقوقي.
وأضافت أن الهدف الأساسي من تطوير هذه المؤشرات يتمثل في تعزيز تدخلات المجلس في مجالات الرصد والحماية والنهوض بحقوق الإنسان، مبرزة أن المجلس يطمح إلى جعلها مرجعا وطنيا مشتركا لجميع الفاعلين المؤسساتيين وغير المؤسساتيين، وأيضا أداة يتقاسمها مع الشركاء الدوليين والإقليميين في تتبع وتقييم وضعية حقوق الإنسان بالمغرب.
من "ماذا نقيس؟" إلى "كيف نقيس؟"
أبرزت آمنة بوعياش أن المجلس انتقل من مرحلة إعداد مصفوفات نظرية للمؤشرات إلى فتح نقاش موسع حولها مع منتجي البيانات من الجهات الحكومية، ومستخدميها من المجتمع المدني، بما يعني الانتقال من سؤال ماذا نقيس؟ إلى سؤال كيف نقيس؟
ويرتكز المشروع على ستة حقوق موضوعية، تم اختيارها لارتباطها المباشر بالتحديات التنموية والمطالب الاجتماعية الراهنة بالمغرب. ويتعلق الحق الأول بالحق في محاكمة عادلة، حيث يسعى المشروع إلى تطوير مؤشرات دقيقة لقياس احترام قرينة البراءة وولوج العدالة، من خلال معطيات مثل نسبة الاعتقال الاحتياطي، والمدة الزمنية للمحاكمات، والتحديات النوعية المرتبطة بالمحاكمات عن بُعد.
كما يشمل المشروع الحق في حرية التعبير، مع اعتماد عناصر دقيقة تعكس تعددية وسائل الإعلام. ويهم كذلك حرية التجمع وتكوين الجمعيات، عبر معالجة الفجوة المحتملة بين الإطار القانوني المعلن والممارسة الإدارية الفعلية.
أما الحق في الصحة، فيركز المشروع على قياس مدى تعميم نظام التأمين الإجباري عن المرض، مع إيلاء أهمية خاصة للقدرة المالية للأفراد والتفاوتات المجالية في توزيع الموارد البشرية الصحية.
وفي ما يخص الحق في التعليم، يسعى المشروع إلى تحقيق توازن بين الكم والنوع، إذ يؤكد المجلس أن ارتفاع نسب التمدرس لا يخفي التحديات البنيوية القائمة، لذلك تركز المؤشرات على معطيات عملياتية، من قبيل نسب الانقطاع المدرسي لدى الفتيات في الوسط القروي، والتفاوتات المجالية، وحالة البنيات التحتية للمؤسسات التعليمية، ونسب الانتقال إلى التعليم الثانوي.
وكعنصر سادس، يستهدف المشروع الحق في العمل من خلال مؤشرات تتجاوز معدل البطالة، لتقيس حجم القطاع غير المهيكل، وأمن بيئة العمل، وتفعيل حقوق الشغل، بهدف رصد واقع العمالة الفقيرة التي لا تضمن شروط الكرامة.
رهان حقوقي مؤجل
من جانبه، اعتبر عبد الحميد بن خطاب، أستاذ العلوم السياسية ورئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية، أن هذه الورشة تشكل "لحظة مهمة" تجمع الفاعلين الجمعويين والمؤسساتيين، إلى جانب منتجي البيانات والفاعلين الحكوميين، لمناقشة إشكال طال انتظاره، يتمثل في وضع معايير وطنية لقياس حقوق الإنسان.
وسجل، في تصريح لـSNRTnews، أن المغرب تأخر نسبيا في اعتماد مقاييس وطنية لقياس مدى احترام حقوق الإنسان، رغم توفره على ترسانة قانونية متقدمة تضمن هذه الحقوق، مضيفا أن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بوجود القوانين، بل بمدى فعاليتها وتحقيقها العملي.
وأكد أن اللقاء يشكل فرصة لإنتاج فعل تشاركي يفضي إلى وضع مؤشرات قياس يتوافق حولها مختلف مكونات المجتمع المغربي، من فاعلين حكوميين وجمعويين ومؤسساتيين.
بدوره، شدد نوفل البعمري، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، على أن الورشة تشكل محطة أساسية لإعداد تقارير حقوقية مبنية على أسس علمية دقيقة، خاصة في ما يتعلق بقراءة وتحليل البيانات والمعطيات الميدانية، وعدم الاكتفاء بتقديمها كأرقام جامدة.
وأوضح، ضمن تصريح لـSNRTnews، أن هذه المؤشرات ستمكن من تحليل فعلية الحقوق وآثارها الملموسة على حياة المواطنين، استنادا إلى مرجعيات أممية ووطنية واضحة، وبمقاربة تعزز الاستقلالية والموضوعية في تقييم المؤشرات الواقعية.
مقالات ذات صلة
سياسة
مجتمع
مجتمع
مجتمع