مجتمع
من الحقل إلى السوق: دراسة ترسم خريطة الأثر البيئي لزيت القنب الهندي
04/05/2026 - 11:54
يونس أباعلي
تكشف الأستاذة الجامعية سعاد الحجاجي عن نتائج علمية دقيقة تضع زيت بذور القنب الهندي أمام مفترق طرق بيئي حاسم. حيث تُظهر دراسة، كانت ضمن الفريق الذي أنجزها، أن التقنين فتح آفاقا اقتصادية واعدة، غير أن هذا التطور لم يُواكب بعد بتقييم بيئي شامل، ما يطرح تحديات مرتبطة بالاستدامة على المدى المتوسط والبعيد.
وتؤكد الحجاجي، نائبة عميد البحث العلمي والتعاون في كلية العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تحقيق توازن بين تثمين الصنف المحلي "البلدية" واعتماد التقنيات الحديثة يظل ممكنا عبر حلول عملية، مثل تحسين تقنيات الري، وتطوير برامج الانتقاء الزراعي، وتثمين المنتجات الثانوية.
وتخلص الدراسة إلى أن القانون المنظم للقطاع يشكل رافعة مهمة، لكنه غير كاف لوحده، إذ يتطلب الأمر مواكبة تقنية واستثمارية تجعل من التعاونيات فاعلا مركزيا في بناء نموذج تنموي أخضر ومستدام.
ما هي أهم المؤشرات البيئية المعتمدة؟ وكيف تم تكييفها مع السياق المغربي؟
اعتمدنا في دراستنا على منهجية تحليل دورة الحياة وفق معايير، باستخدام مؤشرات، ومن أبرزها: التغير المناخي، وندرة الموارد الأحفورية، واستخدام المياه، وتحمض التربة، والتخثث (Eutrophication)، والسمية البشرية (Toxicité humaine).
لكن خصوصية دراستنا تكمن في تكييف هذه المؤشرات مع الواقع المغربي، خاصة في منطقة الريف التي تعاني من إجهاد مائي كبير. لذلك، أعطينا وزنا خاصا لمؤشر استهلاك المياه وكفاءة الري، وأخذنا بعين الاعتبار المناخ شبه الجاف وتنوع الممارسات الفلاحية المحلية.
كما اعتمدنا على بيانات أولية ميدانية حقيقية (استهلاك الكهرباء، مسافات النقل، إنتاجية البذور) بدلا من الاكتفاء بقواعد بيانات دولية. هذا التكييف يجعل النتائج أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
ما العوامل التي تفسر تفوق نموذج التعاونيات في هذا المجال؟
بناء على تقييم دورة الحياة الذي أجريناه، فإن تفوق النموذج التعاوني لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تفاعل ثلاثة عناصر أساسية. أولا، التعاونيات تعتمد على تجهيزات أكثر كفاءة، مما يسمح باستخراج 1 كجم من الزيت من 3 كجم فقط من البذور، بينما يحتاج النموذج الحرفي إلى 4,4 كجم، مما يقلل الضغط على الأراضي والمياه.
كما أن استهلاك الطاقة في التعاونيات هو الأدنى (0,54 كيلوواط/ساعة لكل كجم من الزيت)، بينما يستهلك الحرفي 0,9 كيلوواط/ساعة، مما يخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بشكل كبير. وثالثا التعاونيات تحد من الفاقد إلى أقل من 0,15 كجم لكل وحدة وظيفية وتُثمن كعكة البذور كعلف أو سماد، بينما يصل الفاقد في النموذج الحرفي إلى 0,6 كجم بدون معالجة.
إلى أي حد يمكن اعتبار النتائج مرتبطة بالقانون 13-21 المتعلق بالاستخدامات القانونية للقنب الهندي؟ وهل كان له تأثير مباشر على أداء التعاونيات؟
هذا القانون شكل نقطة تحول أساسية في تنظيم القطاع، لكن تأثيره كان متباينا. على المستوى الاجتماعي والتنظيمي، كان التأثير مباشرا وقويا، فقد تحسنت الحوكمة، وتطورت ظروف العمل، وظهرت التعاونيات المرخصة بآليات واضحة للتتبع والمراقبة.
أما على المستوى البيئي، فالتأثير كان غير مباشر؛ إذ وفر القانون الإطار الذي يسمح باعتماد ممارسات أكثر استدامة، لكنه لا يفرضها تلقائيا. وبالتالي، فإن التفوق البيئي للتعاونيات لم يأت فقط من القانون، بل من كفاءة التجهيزات، وتحسين استهلاك الطاقة، وتقليص الفاقد، وتثمين المنتجات الثانوية.
بمعنى آخر، القانون هو رافعة أساسية، لكنه يحتاج إلى مواكبة تقنية واستثمارية لتحقيق أثر بيئي ملموس، وهذا يتماشى مع التوجيهات الملكية التي تدعو إلى سياسات عمومية متماسكة ومتكاملة، حيث يُعتبر القانون أداة والاستثمار في التكنولوجيا والتدبير هو المُمكن الفعلي.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين صنف "البلدية" والتقنيات الحديثة دون فقدان الخصوصية الزراعية؟
الصنف المحلي "البلدية" يمثل ثروة زراعية حقيقية، فهو متأقلم مع ظروف الريف، ويتميز بمقاومته للجفاف وجودته الغذائية العالية (نسبة أوميغا 6/أوميغا 3 مثالية، ومحتوى مرتفع من مضادات الأكسدة)، لكنه يعاني من إنتاجية منخفضة (0,7 إلى 0,9 طن/هكتار).
التحدي هو إيجاد توازن بين الحفاظ على هذا الصنف وتحسين مردوديته، وهذا ممكن عمليا من خلال ثلاث آليات: أولا، اعتماد الري بالتنقيط الذي يقلل استهلاك المياه بنسبة 30 إلى 50% دون المساس بخصائص النبات. ثانيا، تطوير برامج تحسين وراثي تشاركية ترفع الإنتاجية مع الحفاظ على الصفات المحلية. ثالثا، تثمين المنتوج عبر شهادات الجودة المستدامة التي تعتمد على التتبع والطابع المحلي.
الهدف ليس استبدال "البلدية"، بل تثمينها وتطويرها بشكل ذكي، لأنها تمثل قيمة مضافة في الأسواق الدولية.
ما أبرز التحديات التي قد تعيق تموقع زيت القنب المغربي في الأسواق الدولية؟
رغم المؤهلات الكبيرة التي يتمتع بها زيت القنب المغربي، إلا أن هناك عدة تحديات يجب تجاوزها. أولا المعايير الدولية للجودة والتتبع أصبحت صارمة جدا، مما يتطلب توحيد الإنتاج وضمان استقرار الجودة عبر سلاسل معتمدة.
ثانيا، هناك ضعف نسبي في تنظيم سلاسل التصدير، سواء من حيث اللوجستيك أو التسويق أو الترويج للعلامات المغربية. ثالثا، المنافسة الدولية قوية، خاصة من دول سبقت في هذا المجال مثل كندا وأوروبا. كما أن الموارد الطبيعية، وخاصة المياه، تشكل تحديا إضافيا في ظل التغيرات المناخية.
لكن في المقابل، يمتلك المغرب نقطة قوة مهمة، وهي الطابع المحلي للأصناف مثل "البلدية" والبعد المستدام للإنتاج التعاوني، وهو ما يمكن أن يشكل ميزة تنافسية إذا تم استثماره بشكل جيد عبر شهادات بيئية وعلامات تجارية مسؤولة.
نؤكد على ضرورة رفع القدرة التنافسية للمنتجات المجالية عبر الابتكار والجودة، وهذا هو الطريق لتحويل التحديات إلى فرص.
ما هي الخطوات العملية لتفعيل مقاربة دورة الحياة على أرض الواقع؟
تفعيل مقاربة دورة الحياة يتطلب الانتقال من الرؤية النظرية إلى إجراءات عملية واضحة، ونوصي بست خطوات ذات أولوية: أولا، تحسين كفاءة استخدام المياه عبر تعميم الري بالتنقيط والجدولة الدقيقة للري. ثانيا، رفع الإنتاجية الزراعية لتقليل الأثر البيئي لكل وحدة منتج. ثالثا، تقليص الفاقد أثناء التحويل، خاصة في مراحل التنظيف والعصر. رابعا، تثمين المنتجات الثانوية (كعكة البذور) كعلف حيواني أو سماد عضوي بدل التخلص منها. خامسا، اعتماد الطاقات المتجددة، كالألواح الشمسية، داخل وحدات الإنتاج. سادسا، تحسين التعبئة والتغليف باستخدام زجاج خفيف أو معاد التدوير، ودراسة البوليمرات القابلة للتحلل.
هذه الإجراءات لا تتطلب بالضرورة استثمارات ضخمة، لكنها تحتاج إلى رؤية مندمجة وتنسيق بين الفاعلين، من خلال تعبئة الطاقات الجماعية وتثبيت الثقة في المؤسسات، مع جعل التعاونيات الفاعل المركزي في هذا التحول.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع