اقتصاد
كيف يقود النسيج منخفض الكربون المغرب نحو 30 ألف فرصة شغل؟
29/04/2026 - 12:48
خولة ازنيزني
يرتقب أن يعزز قطاع النسيج المغربي جاذبيته الاستثمارية، مع إمكانية استقطاب استثمارات خاصة تصل إلى 1.9 مليار دولار وخلق نحو 30 ألفا و800 فرصة شغل على المدى المتوسط.
ويعكس حضوره القوي في الأسواق الأوروبية هذه الدينامية، إذ يستحوذ على حوالي 3,2 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي، في وقت تشير فيه معطيات تقرير حديث للبنك الدولي إلى فرص واعدة لانتقال القطاع نحو نموذج منخفض الكربون وأكثر استدامة.
كما يتوقع تقرير مؤسسة التمويل الدولية حول تحليل القطاع الخاص أن يواصل القطاع ترسيخ موقعه ضمن سلاسل التوريد الأوروبية، مع إمكانية ارتقائه إلى المرتبة الثامنة بين الموردين وتعزيز مساهمته في خلق فرص الشغل.
قطاع مشغل لكن بقيمة مضافة محدودة
يشغل قطاع النسيج والألبسة حوالي 234 ألف عامل، 64 في المائة منهم نساء، ويساهم بنحو 10 في المائة من الصادرات، كما يستفيد القطاع من موقع جغرافي استراتيجي، وقرب لوجستي من الأسواق الأوروبية حيث يتمركز على محور الدار البيضاء–طنجة، إلى جانب اتفاقيات تجارية تفضيلية واحترام المعايير الأوروبية، ومرونة الإنتاج، وسرعة التسليم، ما يجعل المملكة وجهة مفضلة للعلامات التجارية العالمية.
وتظل كلفة اليد العاملة عنصرا تنافسيا، إذ يبلغ متوسط الأجر نحو 26 درهما في الساعة سنة 2025، رغم بقائه أعلى من بعض الدول المنافسة مثل تونس ب1,5 دولار ومصر بمتوسط0,7 دولار.

غير أن بنيته الإنتاجية ما تزال تعتمد بشكل كبير على أنشطة منخفضة القيمة المضافة، إذ تمثل عمليات “القص والخياطة والتشطيب” 77 في المائة من الصادرات، مقابل 22 في المائة فقط لنموذج “التسليم الكامل” (FOB).
كما يعتمد القطاع بشكل كبير على استيراد المواد الأولية، حيث يتم استيراد أكثر من 80 في المائة من الخيوط والأقمشة، ما يحد من القدرة التنافسية ويؤثر على الامتثال لقواعد المنشأ وإمكانية التتبع، التي أصبحت شرطا أساسيا للولوج إلى الأسواق الدولية.
وتبرز فرص استثمارية على امتداد سلسلة القيمة، خاصة في الاقتصاد الدائري مثل إعادة تدوير الألياف واسترجاع نفايات النسيج، إضافة إلى المراحل الأولية كالنسيج والمعالجة، مع إمكانية تطوير نموذج “الإنتاج الكامل” لتعزيز القيمة المضافة.
كما تخلق التحولات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي المرتبطة بالاستدامة حوافز للاستثمار في التتبع الرقمي وشهادات الاستدامة والبنية التحتية النظيفة.
فرص استثمارية واعدة
وترصد مؤسسة التمويل الدولية إمكانات كبيرة لتطوير قطاع النسيج منخفض الكربون، خاصة عبر الاستثمار في الاقتصاد الدائري، إذ أشارت في تقريرها لمعطيات منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية التي تفيد أن المغرب ينتج أكثر من 83 ألف طن من نفايات النسيج سنويا، و56 في المائة منها قطن عالي الجودة قابل لإعادة التدوير.
ويسطر التقرير أن غياب منظومة مهيكلة لجمع وفرز هذه النفايات يؤدي إلى ضياع فرص صناعية مهمة، في وقت يمكن فيه لتطوير أنشطة إعادة تدوير الألياف وإنتاج النسيج المعاد تدويره أن يقلص الاعتماد على الواردات ويخفض البصمة الكربونية.
في المقابل، يواجه القطاع تحولات تنظيمية متسارعة في السوق الأوروبية، خاصة في ظل الاتفاق الأخضر الأوروبي، الذي يفرض متطلبات صارمة تتعلق بالتتبع والامتثال البيئي والاجتماعي على امتداد سلسلة القيمة.
ويعني ذلك بالنسبة للمقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، ضرورة الاستثمار في أنظمة التتبع الرقمي، وإعداد تقارير الاستدامة، والحصول على شهادات الامتثال، وهي عمليات مكلفة قد تحد من قدرتها التنافسية.
تحديات تعيق التحول
رغم المؤهلات، يواجه الاستثمار الخاص عدة معيقات، أبرزها ضعف الولوج إلى معلومات دقيقة حول الأراضي الصناعية، ما يبطئ اختيار مواقع المشاريع، خاصة بمحور الدار البيضاء–طنجة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتشتت المعطيات المرتبطة بالعقار الصناعي، وارتفاع كلفة الامتثال لمعايير الاستدامة (ESG)، وضعف الولوج إلى معلومات دقيقة حول العقار الصناعي، إضافة إلى غياب تنظيم فعال لتدفقات نفايات النسيج.
كما يشكل الغموض القانوني المرتبط بنفايات النسيج عائقا إضافيا، إذ تصنف كنفايات بدل مواد أولية قابلة لإعادة التدوير، بسبب غياب الفرز والتنسيق، ما يحد من تداولها ويعرقل تطوير سلاسل الاقتصاد الدائري.
ولمعالجة هذه القضايا، يوصي التقرير بتعزيز قاعدة البيانات الرقمية الحالية لأراضي المناطق الصناعية والاستفادة منها بشكل أفضل، بما في ذلك توسيع نطاق تغطيتها لتشمل الممتلكات العامة، والممتلكات الخاصة، من خلال تطوير منصة رقمية موحدة ومحدثة للأراضي الصناعية، وإحداث سجل وطني لتتبع نفايات النسيج وربطه بمنصات رقمية، وإعادة تصنيف نفايات القص كمواد قابلة لإعادة التدوير، وتوسيع آليات التمويل الأخضر لدعم كلفة شهادات الامتثال البيئي والاجتماعي، وتشجيع الاستثمار في المراحل الأولية من سلسلة القيمة (الغزل، والنسيج، والصباغة).
كما يبرز التقرير أهمية الاستثمار في الطاقة الشمسية اللامركزية لتقليص تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة.
آفاق اقتصادية
وفق تقديرات مؤسسة التمويل الدولية، فإن تنفيذ الإصلاحات التي يوصي بها التقرير يمكن أن يساهم في جذب استثمارات تصل إلى 7.4 مليار دولار عبر عدة قطاعات واعدة، من بينها النسيج المستدام والطاقة الشمسية وتربية الأحياء المائية.
يخلص التقرير إلى أن المغرب يمتلك مقومات التحول إلى مركز إقليمي لإنتاج النسيج منخفض الكربون، مستفيدا من توجهات عالمية تفضل سلاسل توريد قريبة ومستدامة، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بتسريع الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز التكامل الصناعي، وتطوير منظومة الاقتصاد الدائري، بما يضمن خلق قيمة مضافة أعلى وفرص شغل مستدامة.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد