فن وثقافة
إدغار موران والمغرب .. سيرة عشق بين فيلسوف وبلد اختاره فضاء للحياة والتأمل
30/05/2026 - 12:24
SNRTnews
برحيل المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران عن سن ناهزت 104 أعوام، لا يطوي العالم فقط صفحة أحد أبرز الوجوه الفكرية في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، بل يستعيد أيضا مسارا إنسانيا وفكريا شديد الخصوصية، كان للمغرب فيه حضور لافت.
إذ لم يكن المغرب بالنسبة إلى موران مجرد بلد يزوره بين حين وآخر، أو محطة عابرة في أجندة فيلسوف كوني كثير السفر والمحاضرات، بل تحول، مع مرور السنوات، إلى فضاء حياة وتأمل وكتابة وارتباط عاطفي عميق.
اشتهر إدغار موران، المولود سنة 1921، بكونه أحد كبار منظري “الفكر المركب”، ذلك التصور الذي يدعو إلى تجاوز النظرة التبسيطية للأشياء، وفهم الإنسان والمجتمع والعالم باعتبارها كيانات متداخلة، لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو تفسير واحد. ومن خلال أعماله الكبرى، وخاصة مشروعه الفكري “المنهج”، حاول موران أن يبني جسورا بين الفلسفة والسوسيولوجيا والبيولوجيا والسياسة والتاريخ والأنثروبولوجيا، رافضا الحواجز الجامدة بين المعارف، ومؤمنا بأن تعقيد العالم لا يواجه إلا بفكر قادر على الربط، لا بالفصل.
غير أن صورة موران، في السنوات الأخيرة من حياته، لم تعد مرتبطة فقط بالمفكر الفرنسي الذي كتب عن الإنسان والمصير والمستقبل، بل اتخذت في المغرب بعدا أكثر قربا ودفئا.
فقد ارتبط اسمه بمراكش، وبالحياة الثقافية المغربية، وبعلاقة إنسانية عميقة مع زوجته الباحثة المغربية صباح أبو سلام موران، التي شكلت جسرا حميميا بينه وبين البلد.
عبر هذا الرابط، لم يعد المغرب بالنسبة إليه موضوعا للتأمل الخارجي، بل صار جزءا من حياته اليومية، ومن ذاكرته الخاصة، ومن صورته العمومية أيضا.
في مراكش، وجد موران ما يشبه الملاذ الأخير لفيلسوف لم يتعب من التفكير في العالم. المدينة الحمراء لم تكن عنده مجرد مكان للإقامة، بل فضاء للضوء والسكينة والتأمل.
كان يقضي فيها فترات من السنة، بعيدا عن رمادية باريس، قريبا من شمس الجنوب، ومن إيقاع حياة يسمح له بأن يواصل الكتابة والتفكير ومتابعة أسئلة العالم من موقع مختلف. وربما لهذا السبب، تحولت مراكش في علاقته بالمغرب إلى أكثر من مدينة: صارت رمزا لعلاقة بين فكر عالمي وفضاء محلي قادر على احتضانه.
هذه العلاقة لم تولد فجأة. فقد عرفت مراكش، سنة 2014، إحدى المحطات البارزة في مسار موران المغربي، حين ألقى محاضرة حول العولمة ومغامرتها، داعيا إلى إعادة التفكير في العالم بعيدا عن الاختزالات الجاهزة.
لم يكن اختيار مراكش مكانا لهذا الكلام تفصيلا ثانويا. فأن يتحدث فيلسوف التعقيد عن العولمة من مدينة مغربية، جنوبية، إفريقية ومتوسطية، فذلك يمنح الخطاب نفسه بعدا إضافيا.
كان موران، في العمق، يرى أن العالم لا يُفهم من مركز واحد، وأن الجنوب ليس هامشا صامتا، بل مكانا لإنتاج المعنى والرؤية.
وقد حظي موران في المغرب بتقدير رسمي وثقافي، تجسد في التكريم والاحتفاء واللقاءات الفكرية التي احتضنتها مؤسسات وجامعات وفضاءات ثقافية. لم يكن الأمر مجرد احتفاء بشخصية فرنسية مرموقة، بل اعترافا بقيمة فكرية تتقاطع مع أسئلة المغرب المعاصر: كيف يمكن الانخراط في الحداثة دون التفريط في الذاكرة؟ كيف يمكن بناء المستقبل دون قطع الجذور؟ وكيف يمكن فهم المجتمع في تعدده وتناقضاته دون السقوط في الأحكام السهلة؟
هنا تحديدا يصبح فكر موران قريبا من التجربة المغربية. فقد كان يرى في المغرب بلدا يعيش هو الآخر تعقيده الخاص: بلد منفتح على العالم، وفي الوقت نفسه حريص على تقاليده وثقافته؛ بلد إفريقي ومتوسطي وعربي وأمازيغي؛ بلد يسعى إلى التحديث دون أن يتحول إلى نسخة باهتة من نماذج أخرى.
هذا التعدد، الذي قد يبدو للبعض تناقضا، كان بالنسبة إلى موران دليلا على حيوية المجتمع. فالحياة، في نظره، لا تُفهم إلا من خلال تشابك عناصرها. ولعل هذا ما جعل العلاقة بين موران والمغرب تتجاوز البعد العاطفي نحو بعد فكري ورمزي أعمق.
لقد وجد في المغرب نموذجا حيا لما كان يدافع عنه نظريا: مجتمع لا يمكن قراءته بخط مستقيم، ولا بمفتاح واحد، بل يحتاج إلى فكر يقبل التعدد، ويتعامل مع التناقض باعتباره جزءا من الواقع لا عيبا فيه.
لذلك لم يكن غريبا أن يجد فكره صدى في الجامعة المغربية، وفي النقاشات الثقافية التي تبحث عن أدوات جديدة لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.
ومن بين المحطات الدالة أيضا حضوره في فضاءات أكاديمية مغربية، من بينها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، حيث اقترن اسمه بمناقشة مفاهيم التعقيد والعلم والمعرفة.
ففي زمن تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية، بدا فكر موران أكثر راهنية. كان يحذر من المعرفة المجزأة، ومن التخصصات المغلقة، ومن العمى الذي يصيب الإنسان حين يعتقد أن التقنية وحدها تكفي لفهم العالم. وفي هذا المعنى، كان حضوره في مؤسسة جامعية مغربية حديثة يحمل دلالة رمزية: المغرب لا يستقبل فقط الفكر الجاهز، بل ينخرط في أسئلة المعرفة الجديدة.
أما البعد الإفريقي في علاقة موران بالمغرب، فيمنح هذه السيرة بعدا آخر. فقد كان موران من المفكرين الذين انتقدوا مركزية الرؤية الأوروبية للعالم، ودعوا إلى الاعتراف بمساهمات الشعوب والثقافات المختلفة في الحضارة الإنسانية.
ومن مراكش، كان حديثه عن إفريقيا وعن إسهامها في الثقافة العالمية يحمل معنى خاصا. فالمغرب، في هذا السياق، بدا كجسر بين أوروبا وإفريقيا، بين المتوسط والعمق القاري، بين الذاكرة القديمة وأسئلة المستقبل.
لكن ما يجعل علاقة موران بالمغرب مؤثرة أكثر، هو أنها لم تكن علاقة مؤسسات فقط. في قلب هذه السيرة، هناك بعد إنساني شديد البساطة: رجل تقدم في العمر، لكنه ظل متمسكا بالحب والفضول والأمل؛ فيلسوف عاش أكثر من قرن، لكنه لم يتحول إلى شاهد صامت على زمنه؛ مفكر ظل يسأل، يندهش، يغضب أحيانا، ويقاوم الاستسلام لفكرة أن العالم انتهى.
وفي هذا المسار، حضرت زوجته صباح أبو سلام موران بوصفها رفيقة حياة وفكر، وواحدة من الشخصيات التي جعلت علاقته بالمغرب أكثر رسوخا وحميمية.
رحيل إدغار موران يدفع إلى التفكير في معنى أن يحتضن بلد ما مفكرا عالميا، لا بوصفه اسما كبيرا فقط، بل بوصفه جزءا من ذاكرته الثقافية.
فالمغرب، في علاقته بموران، لم يكن مجرد مضيف، بل كان فضاء حوار. وموران، في علاقته بالمغرب، لم يكن مجرد ضيف، بل صار شاهدا محبا على بلد يعيش تعقيده الخاص، ويبحث مثل العالم كله عن طريقه بين الماضي والمستقبل.
بهذا المعنى، لا تنتهي علاقة إدغار موران بالمغرب عند خبر الوفاة. فهي باقية في المحاضرات واللقاءات والتكريمات، وفي أثره داخل بعض المؤسسات الثقافية والأكاديمية، وفي تلك الصورة الأخيرة لفيلسوف عجوز لم يفقد دهشته، وجد في مراكش بعضا من الضوء الذي كان يحتاجه كي يواصل النظر إلى العالم بعين مفتوحة.
وربما هذا هو الدرس الأعمق الذي يتركه موران: أن نفهم العالم لا يعني أن نبرده بالتحليل فقط، بل أن نحبه أيضا، رغم قسوته وتعقيده وغموضه.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة