مجتمع
الأموي.. زعيم تاريخي يرحل
07/09/2021 - 16:51
مصطفى أزوكاح
فجأة يعيد خبر وفاة محمد نوبير الأموي، اليوم الثلاثاء، شريط حياة زعيم نقابي وسياسي، ملأ الدنيا وشغل الناس، على مدى عقود، بمواقفه ومعاركه التي جعلته في بؤرة الضوء في لحظات حاسمة من تاريخ المغرب المعاصر.
انسحب نوبير الأموي، الزعيم التاريخي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، من المشهد النقابي بهدوء، لم يثر ذلك الكثير من الاهتمام لدى وسائل الإعلام. لم يغادر زعامة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلا بعدما أعجزه المرض، فقد تولى أمر النقابة على مدى أربعة عقود، وكان له حضور وازن في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
ألزمه المرض، في الأعوام الأخيرة، بيته بقريته "ملكو" بثلاثاء الأولاد بمنطقة ابن حمد، التي ورث من أهلها، كما يقول قريب له، الكثير من الخصال التي عرف بها، والتي لم يلطف منها، ما قد يستدعيه العمل السياسي والنقابي من براغماتية، إذ ظل مذعنا لنوع من البساطة والتلقائية، ما يفسر في جزء منه، حسب محدثنا، بعض المواقف، التي جرت عليه الكثير من المتاعب.
تمتع الراحل بكاريزما كبيرة، رسخها تاريخه على رأس النقابة على مدى أربعين عاما. النقابي الذي لُقب بـ"أسد الشاوية"، خاض معارك طاحنة جعلته زعيما استثنائيا. تلك الزعامة التي تأتت له بفضل تربيته، كما يقول أحد أبنا منطقة ملكو.
هو ابن الفلاح حمان الأشهب وعائشة بوعزة. حفظ القرآن، والتحق بمدرسة "اتحاد الحي الصناعي"، التي أسسها عبد الرحمان اليوسفي في الأربعينيات من القرن الماضي، ثم جامعة ابن يوسف بمراكش، فجامعة القرويين، قبل أن يلتحق بالتعليم، حيث عمل معلما ثم مفتشا.
ورغم المسؤوليات الكثيرة التي تحملها على مدى أكثر من ستين عاما، ظل مرتبطا بمسقط رأسه "ملكو". ارتباط نقله إلى أسرته الصغيرة، بعدما تزوج في عام 1961 فاطمة الشاوي، أستاذة العلوم الطبيعية، وأثمر ذلك الزواج "غيفارا"، و"معاوية" و"المهدي" و"محمد" و"سناء".
التحق في شبابه بحزب الاستقلال في 1952، قبل أن ينضم إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 1959، والاتحاد المغربي للشغل، ويلفت الانتباه إليه ويتحمل مسؤوليه اللجنة العمالية بالرباط في 1963. تميز منذ بداياته كنقابي، كرس جهده للدفاع عن العمال، بعد أن سطع نجمه في نقابة التعليم.
كان أحد القادة الذين ساهموا في تأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في 1975، لكنه برز أكثر كقائد عمالي، بعد تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل 1978 التي كانت وراء الدعوة للإضراب العام، الذي شهده المغرب في يونيو 1981، وما أعقبه من أحداث بالدار البيضاء. في سياق أزمة اقتصادية حادة، أفضت إلى تبني برنامج التقويم الهيكلي، بما كان له من ثمن كلفة اجتماعية.
كثيرا ما كان ينزع قبعة النقابي، كي يعتمر قبعة السياسي، مادام كان عضوا في في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. الإشعاع الذي أضحى للنقابة بفضل حضوره الوازن، جعله زعيما بدون منازع لها.
احتل محمد نوبير الأموي واجهة الأحداث، عندما أدلى لصحفية "إلباييس" الإسبانية في الحادي عشر من مارس 1992، بحديث وصف فيه الفريق الحكومي الذي كان يقوده عز الدين العراقي بـ"اللصوص". ما دفع الحكومة إلى اللجوء إلى القضاء، في لحظة حاسمة من تاريخ المغرب، من سماتها الانفتاح على الحقل السياسي والاستعداد للانخراط في التناوب بمشاركة المعارضة يتصدرها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
بدأت محاكمته في الثامن من أبريل 1992 وانتهت بالحكم بسنتين حبسا نافذا في حق الأموي، قبل أن يحصل على عفو في يونيو 1993. عفو جاء في سياق أفضى إلى تأسيس الكتلة وفتح باب المفاوضات مع حزب الاتحاد الاشتراكي، وطرح إمكانية " التناوب"، بعد ذلك، والتصويت ب" بنعم" على دستور 1996.
ووجب الانتظار إلى غاية 1998، حيث سيقود عبد الرحمان اليوسفي المفاوضات حول التناوب، غير أن الأموي، سيختلف مع اليوسفي، رافضا تبني النقابة لقرار الحزب بخوض تجربة التناوب، كما امتنع عن استوزار أطر من المركزية النقابية، وهو ما كان يؤشر على بداية انشقاق جديد من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
كان الأموي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، يتصور أن شروط التناوب والمشاركة لم تتوفر بعد. ووصلت حدة الخلاف أوجهها بمناسبة انعقاد المؤتمر السادس للاتحاد في 2001، الذي انسحب منه الأموي ورفاقه من جلسة افتتاحه.
وفي عام 2003، سيساهم الأموي ورفاقه من النقابيين في تأسيس حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، الذي انتخب عبد المجيد بووزوبع، أمينا عام له، في مؤتمر تأسيسي.
بقي زعيما نقابيا دون أن يفقد تأثيره على ذلك الحزب، لكنه سيغادر النقابة بعد أربعين عاما، فقد انتخاب عبد القادر الزاير كاتبا عاما للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وطويت صفحة غنية في تاريخ تلك النقابة، التي ارتبط وجودها بالأموي، الذي ساهمت معه في إحداث حاسمة في تاريخ المغرب المعاصر...
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
سياسة