فن وثقافة
"كتاب أثر فيا" .. فاضمة أيت موس تتحدث عن تأثير "المغرب الكبير بين الحربين"
19/03/2025 - 18:31
حليمة عامر
تستضيف سلسلة "كتاب أثر فيا"، الأستاذة فاضمة أيت موس، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، للحديث عن تأثير كتاب اطلعت عليه ولم يكن من السهل تجاوزه.
وتطلق منصة SNRTnews سلسلة "كتاب أثر فيا" خلال شهر رمضان، لتسلط الضوء على الكتب التي تجاوزت كونها مجرد عناوين على رفوف المكتبات، وأصبحت محطات فارقة في حياة قرائها. وتسعى السلسلة إلى استكشاف سر الكتب التي تترك أثرا عميقا، وتجعل البعض يعود إليها مرارا لاستخلاص معان جديدة لم تتكشف في القراءة الأولى.
وتكشف فاضمة أيت موس أن الكتاب الذي تعود إليه بانتظام هو "المغرب الكبير بين الحربين" لجاك بيرك، الصادر سنة 1962، وهو من أبرز الدراسات التي تناولت التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة المغاربية خلال الحقبة الاستعمارية.

وأوضحت أن بيرك يتميز بمقاربة تقوم على تحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية من خلال فهم المعاني التي تمنحها المجتمعات لأحداثها، بدلا من الاكتفاء بوصف الوقائع فقط. فهو يربط بين العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية، مما يسمح بكشف البنى العميقة التي أعادت تشكيل المجتمع المغاربي خلال تلك الفترة المضطربة.
ويبرز الكتاب كيف أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري مباشر، بل عملية معقدة أحدثت تغييرات جذرية في الهياكل السياسية والاجتماعية. فمن تفكيك الأنظمة التقليدية إلى نشوء نخب جديدة أدت دورا حاسما في الحركات الوطنية وما بعدها، يوضح بيرك كيف أن الاستعمار كان فضاء تفاعليا نشأت فيه أشكال متعددة من المقاومة، سواء عبر المواجهة المباشرة أو من خلال التعبير الثقافي والسياسي.
كما يظهر الكتاب كيف أدى التوسع الاستعماري إلى تفكيك الاقتصاد الزراعي التقليدي وتعزيز التمدين، مما عمق الفجوة بين القرى والمدن.
وفي هذا السياق، يبرز بيرك دور السياسات التعليمية والثقافية في إعادة إنتاج التبعية، حيث ظهرت نخب جديدة متأرجحة بين استيعاب النموذج الفرنسي والسعي إلى إعادة بناء هوية وطنية متحررة من الهيمنة الاستعمارية.
إلى جانب عمق تحليله، يمثل أسلوب بيرك الكتابي مصدر إلهام لفاضمة أيت موس، إذ ترى أنه يمتلك قدرة استثنائية على صياغة أفكار معقدة بأسلوب مكثف وواضح، مستخدما لغة دقيقة وثرية بالمجازات والصور القوية التي تعزز تأثير النص، وتجعل القارئ يعيش التحولات الاجتماعية والتاريخية التي يصفها.
وتؤكد أيت موس أن طريقة جاك بيرك في الربط بين مختلف التخصصات، وانتقاله السلس بين الوصف العيني والتحليل العميق، تجعل قراءته تجربة فكرية متميزة، وتحفزها على تبني مقاربة تجمع بين الدقة والوضوح في كتاباتها الخاصة. وبعد أكثر من ستة عقود على صدوره، لا يزال هذا الكتاب مرجعًا أساسيا لفهم التفاعلات الاستعمارية وتداعياتها المستمرة.
وتشدد على أن قراءته تساعد على تفكيك الامتدادات المعاصرة للبنى الاستعمارية، سواء في الاقتصاد أو في الثقافة والسياسة. وتقول إن عودتها المتكررة إلى هذا العمل لا تهدف فقط إلى فهم الماضي، بل إلى تطوير أدوات نقدية لتحليل الحاضر من منظور تاريخي متجذر، مستلهمةً في ذلك دقة بيرك وعمق رؤيته التحليلية.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة