مجتمع
اضطراب TDAH: تأثير انقطاع الدواء على المسار العلاجي للأطفال
12/06/2025 - 21:52
خولة ازنيزني | مطر بن السالمية
في الوقت الذي يتزايد فيه الوعي العالمي بضرورة تقديم الرعاية الصحية والنفسية للأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (TDAH)، يواجه عدد متزايد من الأسر أزمة تُنذر بتبعات اجتماعية وتعليمية ونفسية خطيرة، نتيجة الانقطاع المستمر والمزمن لدواء الميثيلفندات، العلاج المرجعي والأكثر فاعلية في التخفيف من أعراض هذا الاضطراب.
فهذا الدواء لا يقتصر دوره على تخفيف فرط النشاط أو زيادة التركيز فقط، بل يشكل دعامة أساسية في مسار علاجي متكامل يهدف إلى إعادة دمج الطفل في محيطه الدراسي والاجتماعي، غير أن هذا المسار بات اليوم مهددا بالتعثر، في ظل غياب هذا الدواء الحيوي من الصيدليات الوطنية، وهو ما يعمق معاناة الأطفال ويثقل كاهل الأسر، ويفرض تحديات مضاعفة على الأطر الطبية المعنية.
أزمة دواء أم أزمة نظام؟
يُعد فرط الحركة وتشتت الانتباه اضطرابا عصبيا يؤثر على التركيز والسلوك والاندفاعية، ويستلزم تدخلا متعدد الأبعاد يشمل الرعاية النفسية، والدعم التربوي، وفي كثير من الأحيان العلاج الدوائي، إلا أن غياب هذه الأدوية يهدد التوازن الدقيق الذي تقوم عليه هذه المعالجة الشمولية.
يقول الدكتور سعيد عفيف، طبيب الأطفال، ورئيس الجمعية المغربية للعلوم الطبية: ليست هذه المرة الأولى التي يعاني فيها الأطفال المصابين بـTDAH وأسرهم من انقطاع أدوية علاج هذا الاضطراب، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، مما أدى إلى انتكاسات صحية ونفسية واضحة لدى عدد من الأطفال، وتأثير مباشر على تحصيلهم الدراسي واستقرارهم النفسي والاجتماعي.
ويصف عفيف، في تصريح لموقع SNRTnews، الوضع بـ"المقلق"، ليس فقط بالنسبة للأسر، بل أيضا للأطر الصحية، ذلك أن غياب الدواء يعطل سائر المسارات العلاجية، مؤكدا أن "الآباء يعانون مع أبنائهم، لأن هذه العلاجات ضرورية لكي يعيش هؤلاء الأطفال طفولتهم ولتشكيل شخصيتهم بشكل سليم".
في المقابل، يذكر عفيف أن هناك جهودا تبذل على المستوى الرسمي بين وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بشراكة مع الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، من أجل تسريع عملية توفير الدواء. ويقول: "إنهم يبذلون كل ما في وسعهم لتأمين توفر هذه الأدوية في أقرب وقت ممكن"، لكن هذا لا يغيّر من واقع أن كل يوم يمر دون الدواء هو يوم آخر من المعاناة بالنسبة للأطفال وأسرهم.
من جانبه، يربط جاد علابوش، عضو المجلس الوطني لكونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، أسباب هذا الانقطاع بعوامل اقتصادية وبنيوية.
ويشرح علابوش، في تصريحه لـSNRTnews، أن الدواء "لا يوصف إلا نادرا من قبل أطباء الطب النفسي للأطفال، ما يجعله غير مربح اقتصاديا للمختبرات المستوردة".
ويضيف أن سوق الأدوية في المغرب محدود، ويقارن حجمه بسوق مدينة أوروبية متوسطة مثل مارسيليا، وهو ما يجعل المغرب أقل جاذبية لشركات صناعة الأدوية، خاصة فيما يتعلق بالأدوية "المتخصصة أو الموجهة لاضطرابات نفسية محددة.
ويُعمّق هذا الوضع غياب الوعي الكافي بطبيعة هذا الاضطراب. فالإقبال على الطب النفسي الموجه للأطفال ما زال ضعيفا، إما بسبب محدودية التوعية، أو بفعل النظرة المجتمعية السلبية تجاه الاضطرابات النفسية. ويقول أعلابوش: "ليست كل الأسر مدركة لخطورة هذه الاضطرابات، ولا الجميع يلجأ إلى الأطباء المختصين"، مما يكرس حلقة مفرغة عنوانها: ضعف الطلب يؤدي إلى ندرة العرض.
عوائق اجتماعية تعمّق الأزمة
تُعاني فئة واسعة من الأسر المغربية من ضعف الوعي المجتمعي بطبيعة اضطراب TDAH، إذ لا تزال بعض الأسر تنظر إلى تصرفات أطفالها باعتبارها "شغبا" أو "قلة تربية"، بدل إدراكها كأعراض مرضية تستدعي التشخيص والتتبع والعلاج.
وتشير الدكتورة سُريا الدغمي، أخصائية في الطب النفسي عند الأطفال، ورئيسة الجمعية المغربية للطب النفسي عند الأطفال، إلى أن حوالي 5 في المئة من الأطفال يعانون من هذا الاضطراب، وهو رقم كبير لا ينبغي تجاهله.
وتشدد الدغمي في تصريحها لـSNRTnews، على أن معالجة الاضطراب في سن متأخرة يُعمق من التهميش الاجتماعي لهذه الفئة، ويصعب اندماجها مستقبلا في المجتمع، بل ويؤثر سلبا على قدراتها في المساهمة الفعالة في الاقتصاد الوطني لاحقا.
وترى الدغمي أن غياب العلاج لا يؤدي فقط إلى تدهور حالة الأطفال، بل يجعلهم عرضة للتنمر داخل المؤسسات التعليمية، ويؤثر على ثقتهم بأنفسهم ومسارهم الدراسي. وتضيف أن بعض الأسر الميسورة تلجأ إلى السفر إلى الخارج للحصول على الدواء، ما يشكل عبئا ماليا كبيرا، في حين تبقى الأسر المتوسطة والفقيرة عاجزة عن التصرف
كما أبرزت في حديثها أهمية إطلاق حملات توعوية وطنية، تشمل الأسر والمدرسين، لفهم طبيعة الاضطراب، والتعامل معه بطريقة تربوية وصحية، لأن العديد من السلوكيات اليومية داخل البيوت والمدارس قد تؤدي إلى زيادة حدة الأعراض، مما يجعل الأمر أكثر تعقيدا.
في المقابل تقترح إمكانية اللجوء إلى بدائل علاجية في بعض الحالات الخفيفة أو في بداية ظهور الأعراض؛ من بينها أنظمة غذائية معينة، والمكملات الغذائية المدروسة، والتمارين الترويضية، إلى جانب الدعم النفسي والتربوي المكثف، وهو ما يستلزم تأطيرا دقيقا ومتابعة متخصصة.
وتختم الدغمي تدخلها قائلة: "لقد تم تجاهل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لسنوات، أو سوء فهمه في أحسن الأحوال، إلا أن الوضع اليوم يفرض تحركا عاجلا وواعيا من قبل كل المتدخلين: من الجهات الرسمية، والمهنيين، والقطاع الصناعي، مرورا بالمجتمع المدني، لأن الأطفال المصابين بهذا الاضطراب لا يملكون ترف الانتظار.
مطالب بالإصلاح والاستعجال
أمام هذا الوضع، طالب المركز المغربي لحقوق الإنسان إلى جانب جمعيات المجتمع المدني، في بيانات موجهة إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، باتخاذ إجراءات عاجلة لضمان توفير الدواء بانتظام وبأسعار مناسبة. مع الدعوة إلى مراجعة المنظومة الإدارية الخاصة بإصدار التراخيص الدوائية، وتسريع التنسيق بين مختلف المتدخلين، من أجل تفادي أي تأخير يؤثر على صحة الأطفال النفسية والجسدية.
كما تم طرح الموضوع داخل البرلمان المغربي، حيث وجه عدد من النواب أسئلة كتابية إلى وزير الصحة، مطالبين بتوضيحات حول أسباب الانقطاع، والإجراءات المزمع اتخاذها لضمان عودة الدواء إلى السوق الوطنية في أقرب الآجال.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
مجتمع
مجتمع
مجتمع