مجتمع
أرقام رسمية تكشف : ارتفاع طلبات زواج القاصرات المتوصل بها من القرى
22/09/2025 - 15:24
يونس أباعلي
كشفت وزارة العدل أن زواج القاصرات يسجل منحى تنازليا لافتا، حيث تراجع عدد عقود الزواج من 26 ألفا و298 سنة 2017 إلى 8 آلاف و955 سنة 2024، وهو ما يعكس بحسب الوزارة أثر التعديلات القانونية والتدابير التوعوية التي جرى تفعيلها خلال السنوات الأخيرة.
غير أن هذا التراجع العددي لا يخفي استمرار حضور الظاهرة في المناطق القروية والوسط الاجتماعي الهش، إذ قال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في جواب عن سؤال للفريق الحركي بمجلس النواب، إن المعطيات الرسمية تُظهر أن الطلبات المقدمة من القرى تفوق بكثير تلك المسجلة في المدن.
تباين ملحوظ بين القرى والمدن
بحسب الأرقام التي كشف عنها الوزير في جوابه، هناك تباين ملحوظ في طلبات زواج القاصرين بين المناطق الحضرية والقروية، خلال الفترة ما بين 2020 و2024.
وتشير الأرقام إلى أن عدد الطلبات المقدمة من سكان المناطق القروية يفوق بشكل كبير تلك المقدمة من سكان المناطق الحضرية، وهو ما يسلط الضوء على استمرار هذه الظاهرة في القرى.
وعرفت سنة 2020 تقديم 11,830 طلبا لزواج القاصرين من سكان البادية، مقابل 4,527 طلبا من سكان المدينة. ورغم تسجيل انخفاض في عدد الطلبات الإجمالي في السنوات اللاحقة، إلا أن الفارق بين المنطقتين ظل واضحا.
وفي سنة 2021، ارتفع عدد الطلبات المقدمة من المناطق القروية إلى 15,150، في حين وصل عدد الطلبات المتوصل بها من المدن إلى 6,283.
وشهدت السنوات من 2022 إلى 2024 انخفاضا في أعداد الطلبات في كلا المجالين. ففي 2022 انخفض عدد الطلبات في القرى إلى 10,528، وفي المدن إلى 4,104، واستمر هذا الانخفاض في 2023 حيث سجلت القرى 9,021 طلبا والمدن 2,882 طلبا. وفي 2024 عادت الأرقام للارتفاع الطفيف في القرى لتصل إلى 11,325 طلبا، بينما ارتفعت أيضا في المدن إلى 4,100 طلب.
ظاهرة تستوجب ما هو أبعد من النصوص
تُبرز الأرقام الأخيرة التي أعلنتها وزارة العدل عن تراجع ملحوظ في حالات زواج القاصرات، غير أن فاعلات جمعويات يُجمعن على أن معالجة الظاهرة تتطلب ما هو أبعد من النصوص القانونية، إذ تظل مرتبطة بشبكة معقدة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
في مشروع مراجعة مدونة الأسرة، اتجه المشرّع إلى تطويق الظاهرة بشكل أوضح، من خلال حصر سن الأهلية القانونية للزواج في 18 سنة، مع الإبقاء على استثناء محدود في سن 17، لكن بشروط صارمة حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة. ورغم أن هذا التوجه اعتُبر خطوة متقدمة، إلا أن تفعيل مضامينه على أرض الواقع يبقى التحدي الأكبر.
في هذا السياق، ترى ليلى أمهرو، وهي فاعلة جمعوية وناشطة في مجال حقوق الطفولة، أن التراجع المسجَّل في الأرقام "يُظهر فعالية بعض التدابير القضائية والتوعوية"، غير أنها تُحذر من الركون إلى هذه المؤشرات باعتبارها نهاية للمشكل.
وأوضحت، في تصريح لـSNRTnew، بالقول: "الخطر قائم دائما ما دامت الأسباب البنيوية قائمة، فالهشاشة الاقتصادية تدفع الأسر في القرى النائية إلى تزويج بناتها كخيار يخفف من الأعباء المادية، وانعدام فرص التعليم والتكوين المهني يجعل الزواج المبكر في نظر بعضهم البديل الوحيد المتاح".
وأضافت أمهرو أن الإصلاح القانوني، على أهميته، لا يمكن أن يُثمر نتائجه من دون استثمار مواز في المدرسة العمومية، وبخاصة في العالم القروي، من خلال بناء داخليات لتمكين الفتيات من متابعة دراستهن، وتقديم دعم مباشر للأسر لخفض نسب الهدر المدرسي.
وقالت "حين تبقى المدرسة بعيدة، والمصاريف فوق طاقة الأسرة، يصبح الحديث عن منع زواج القاصر مجرد نص جامد يصعب أن يصمد أمام واقع قاس".
من جانبها، تعتبر أمينة البقالي، رئيسة جمعية تُعنى بحقوق المرأة والطفولة، أن جوهر الإشكال يتجاوز النصوص القانونية ليغوص في عمق الثقافة الاجتماعية السائدة.
وأوضحت، ضمن تصريحها لـSNRTnews، أن "الكثير من الأسر ما تزال تنظر إلى الزواج المبكر باعتباره حماية للفتاة وضمانا لمستقبلها، بل وتراه حلا وقائيا من الانحراف، بينما الواقع والتجارب تثبت أنه يُفاقم الهشاشة، ويعرض القاصر لزواج غير متكافئ قد ينتهي بالطلاق أو العنف".
وشدد البقالي على أن مواجهة الظاهرة تستلزم عملا ميدانيا متواصلا من طرف المجتمع المدني، عبر إطلاق حملات تحسيسية معمّقة لا تقتصر على الفتيات، بل تنطلق من الأمهات والآباء، لأنهم الحلقة المركزية في اتخاذ القرار.
وتابعت "التغيير يبدأ حين تعي الأسرة أن بقاء الفتاة في المدرسة هو الضمان الحقيقي لمستقبلها، وأن الزواج المبكر لا يحميها بل يعرّضها لمخاطر مضاعفة على مستوى الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية".
مقالات ذات صلة
مجتمع
سياسة
سياسة
مجتمع