اقتصاد
تشريعات الكربون الأوروبية .. كيف يستعد المغرب لحماية صادراته؟
26/06/2026 - 19:18
وئام فراجلم تعد التشريعات البيئية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي مجرد سياسات مرتبطة بمكافحة التغير المناخي، بل تحولت إلى قواعد جديدة تنظم الولوج إلى السوق الأوروبية، بما يفرض على الشركاء التجاريين، وفي مقدمتهم المغرب، التكيف مع معايير أكثر صرامة في مجال خفض الانبعاثات الكربونية.
ويجمع فاعلون اقتصاديون وخبراء في التجارة الدولية على أن هذه التحولات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عوائق جديدة أمام الصادرات المغربية، بقدر ما تمثل مرحلة انتقالية تتطلب مواكبة المقاولات لتفادي فقدان تنافسيتها، والاستفادة في المقابل من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الأخضر.
شراكة تاريخية بين المغرب والاتحاد الأوروبي
يأتي هذا التحول في سياق تنفيذ الاتحاد الأوروبي لـ"الصفقة الخضراء الأوروبية"، التي تستهدف بلوغ الحياد الكربوني بحلول سنة 2050، ومن بين أبرز أدواتها آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، التي تقوم على إخضاع المنتجات المستوردة لتكلفة كربونية مماثلة لتلك التي يتحملها المنتج الأوروبي، بما يمنع انتقال الصناعات إلى دول ذات معايير بيئية أقل صرامة.
وفي مرحلتها الحالية، تشمل هذه الآلية قطاعات الحديد والصلب والألمنيوم والإسمنت والأسمدة والكهرباء والهيدروجين، وهي قطاعات يرتبط جزء منها مباشرة بالصادرات المغربية نحو أوروبا.
وفي هذا الإطار، يؤكد أقدم نواب رؤساء الكونفدرالية المغربية للمصدرين (ASMEX)، محمد السعدي، أن التعامل مع هذه التشريعات ينبغي أن يتم في إطار الشراكة التاريخية التي تجمع المغرب والاتحاد الأوروبي، والتي تعود إلى سنة 1969، وتطورت من علاقة تجارية إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والأمن والسياسة والانتقال البيئي.
مسار تفاوضي
وبحسب السعدي، فإن إدراج القضايا المناخية ضمن هذه الشراكة لا يعني أن الاتحاد الأوروبي يفرض قواعده بشكل أحادي على المغرب، بل إن الأمر يتعلق بمسار تفاوضي قائم على الحوار المستمر بين الطرفين، تشارك فيه المؤسسات المغربية والاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى صيغ توافقية.
وشدد على أن ما يعرف بضريبة الكربون لم يُحدث خصيصا للمغرب، وإنما جاء أساسا لحماية الصناعة الأوروبية من المنافسة القادمة من بلدان لا تفرض تكلفة على الانبعاثات الكربونية.
وأضاف نائب رئيسة الكونفدرالية التي انتخبت حديثا، في تصريح لـSNRTnews، أن النقاش الدائر حاليا بين المغرب والاتحاد الأوروبي لا يتعلق بقبول الضريبة أو رفضها، وإنما بطريقة احتسابها والاعتراف المتبادل بها، موضحا أن الهدف هو التوصل إلى منهجية مشتركة لقياس تكلفة الكربون، بحيث إذا تم أداؤها في المغرب واعترف بها الاتحاد الأوروبي، فلن تكون المقاولة المغربية مطالبة بأدائها مرة ثانية عند دخول منتجاتها إلى السوق الأوروبية.
أما في حال عدم التوصل إلى اتفاق حول هذه المنهجية، فقد تجد الشركات المغربية نفسها أمام أداء تكلفة إضافية داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد ينعكس على أسعار منتجاتها وقدرتها التنافسية.
الكلفة المالية للامتثال
من جانبه، يرى الخبير في التجارة الدولية والمتخصص في عمليات الاستيراد والتصدير، أحمد المغربي، أن هذه التشريعات أصبحت واقعا تنظيميا جديدا لا يمكن تجاهله، خاصة بالنسبة للمغرب الذي يظل الاتحاد الأوروبي شريكه التجاري الأول.
وأكد المغربي، في تصريح لـSNRTnews، أن المؤسسات المغربية الكبرى الموجهة نحو التصدير بدأت بالفعل الاستعداد لهذا التحول من خلال قياس بصمتها الكربونية، واعتماد أنظمة لتتبع الانبعاثات وإدماج معايير الاستدامة في عملياتها الإنتاجية، غير أن مستوى الجاهزية لا يزال متفاوتا، خصوصا لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
ويعتبر أن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه الفئة من المقاولات يتمثل في الكلفة المالية للامتثال، إذ يتطلب الأمر الاستثمار في تجهيزات أقل انبعاثا للكربون، وإعداد تقارير تقنية، والحصول على شهادات المطابقة، فضلا عن تطوير أنظمة دقيقة لقياس الانبعاثات.
ولهذا، يدعو إلى تعزيز برامج المواكبة العمومية، سواء عبر الدعم المالي أو التأطير التقني، إلى جانب تكثيف اللقاءات التحسيسية لفائدة المصدرين حتى يتمكنوا من فهم المتطلبات الأوروبية والاستعداد لها قبل دخولها حيز التطبيق الكامل.
مواكبة المقاولات المغربية
وفي السياق ذاته، يشير السعدي إلى أن وزارة الصناعة، بتنسيق مع الفيدراليات الصناعية، تقود حاليا ورشا لمواكبة المقاولات المغربية، كما تم رصد اعتمادات مالية لمساعدتها على التأقلم مع هذا الإطار التنظيمي الجديد وضمان استمرار ولوج المنتجات المغربية إلى السوق الأوروبية في ظروف سلسة.
ورغم المخاوف المرتبطة بارتفاع كلفة الامتثال، يرى المتحدثان أن هذه التحولات تحمل في الوقت نفسه فرصا مهمة للمغرب. ففيما يتعلق بتنويع الشراكات التجارية، أكد السعدي أن هذا الموضوع يحظى باهتمام كبير، إذ توجد حاليا لجان متخصصة تشتغل عليه، مشيرا إلى أنه "ورغم أن الاتحاد الأوروبي يظل الشريك الأساسي للتجارة الخارجية المغربية، فإن المغرب، انسجاما مع الرؤية الاستراتيجية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ومع التوجهات الكبرى للسياسات الاقتصادية الوطنية، شرع منذ سنوات في تنويع شراكاته الاقتصادية الدولية".
وأضاف أن المملكة أبرمت عددا من اتفاقيات التبادل الحر، ليس فقط لتوسيع المبادلات التجارية، وإنما أيضا لتطوير سلاسل القيمة وتقاسم القيمة المضافة مع شركائها. "كما أن العديد من البلدان التي تربطها اتفاقيات تبادل حر مع المغرب أصبحت اليوم تستثمر بشكل مباشر في المملكة".
ويربط السعدي هذا المسار بالموقع الذي أصبح يحتله المغرب في مجالات الأمن الطاقي والهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، معتبرا أن الاستثمارات التي تستقطبها المملكة في هذه القطاعات تعكس وجود رؤية استراتيجية تستهدف تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية الجديدة.
الاستثمار في التحول الأخضر
بدوره، يعتبر الخبير في التجارة الدولية أن الامتثال لمعايير الاستدامة لن يحافظ فقط على ولوج الصادرات المغربية إلى السوق الأوروبية التي تضم أكثر من 400 مليون مستهلك، بل سيعزز أيضا اندماجها في سلاسل الإنتاج العالمية التي أصبحت تشترط بشكل متزايد احترام المعايير البيئية والشفافية في احتساب الانبعاثات
وفي المقابل، يحذر من أن المقاولات التي ستتأخر في التكيف مع هذه المتطلبات قد تواجه صعوبات متزايدة في الولوج إلى الأسواق الخارجية، ليس فقط الأوروبية، بل أيضا إلى أسواق أخرى بدأت تتبنى التوجهات البيئية نفسها.
وخلص إلى أن الاستثمار اليوم في التحول الأخضر لم يعد خيارا، بل أصبح استثمارا في القدرة التنافسية المستقبلية للمقاولة المغربية واستدامة حضورها في الأسواق العالمية.
كما أكد المتدخلان على أن نجاح المغرب في مواجهة هذا التحول لن يتوقف على نتائج المفاوضات الجارية مع الاتحاد الأوروبي فحسب، بل سيعتمد أيضا على سرعة تأهيل النسيج الصناعي، وخاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، حتى تتمكن من مواكبة اقتصاد عالمي أصبحت فيه القدرة التنافسية تقاس، إلى جانب الجودة والسعر، بمدى احترام معايير الاستدامة والحياد الكربوني.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
عالم