رياضة
بين المعلم والتلميذ .. الصيباري في مواجهة "الأب الروحي" فان نيستلروي في المونديال
27/06/2026 - 16:30
رضى زروق
من بين جميع القصص التي تخفيها المواجهة المرتقبة بين المنتخب المغربي ونظيره الهولندي في سدس عشر نهائي كأس العالم 2026، تبدو قصة إسماعيل الصيباري وروود فان نيستلروي واحدة من أكثرها إثارة ورمزية.
فحين يدخل نجم "أسود الأطلس" أرضية ملعب مونتيري المكسيكي في أولى ساعات صباح الثلاثاء المقبل، لن يكون في انتظاره أحد أبرز منتخبات العالم فحسب، بل سيكون أيضا في مواجهة الرجل الذي لعب دورا محوريا في تشكيل شخصيته الكروية، وساهم بشكل مباشر في إخراجه إلى الواجهة داخل نادي أيندهوفن الهولندي.
قبل سنوات قليلة فقط، كان الصيباري موهبة واعدة داخل الفئات السنية لأيندهوفن، قبل أن يمنحه الهداف التاريخي السابق للمنتخب الهولندي روود فان نيستلروي ثقته الكاملة مباشرة بعد توليه تدريب الفريق الأول سنة 2022.
وكان المدرب الهولندي أول من قرر إدماج اللاعب المغربي في التحضيرات الصيفية للفريق الأول، ولم ينتظر الصيباري كثيرا لرد الجميل، بعدما سجل ثنائية في مباراة ودية، ليحجز مكانه مبكرا ضمن حسابات المدرب الجديد.
ولم يقتصر دور فان نيستلروي على منحه الفرصة فقط، بل تحول إلى ما يشبه "الأب الكروي" أو المرشد الحقيقي للاعب المغربي الشاب.
فعندما بدأت بعض الانتقادات تطال البنية الجسدية للصيباري، خرج فان نيستلروي للدفاع عنه علنا، مؤكدا أن اللاعب لا يعاني أي مشاكل بدنية أو زيادة في الوزن، وأن تكوينه الجسدي القوي يمثل إحدى نقاط قوته الأساسية وليس نقطة ضعف.
كما كان المدرب الهولندي أول من اكتشف قدرة اللاعب المغربي على شغل أكثر من مركز هجومي، وساهم في تطويره كلاعب قادر على اللعب في وسط الميدان وعلى الأطراف، بل وحتى كمهاجم وهمي، وهو المركز الذي سيصبح لاحقا أحد أبرز أسرار تألقه مع المنتخب المغربي في كأس العالم الحالية.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن الصيباري سيجد نفسه اليوم أمام الرجل الذي ساهم في تعليمه أسرار هذا الدور الجديد.
فان نيستلروي، أحد أعظم المهاجمين الذين أنجبتهم الكرة الهولندية خلال العقدين الأخيرين، وصاحب المسيرة التاريخية مع مانشستر يونايتد وريال مدريد، يوجد حاليا ضمن الطاقم التقني للمنتخب الهولندي كمساعد لرونالد كومان، بعدما التحق بالمنتخب البرتقالي مطلع سنة 2026.
وبلغة الأرقام، فإن المهاجم الهولندي السابق يعرف الصيباري أكثر من أي شخص آخر داخل المنتخب الهولندي، ويعرف نقاط قوته ونقاط ضعفه وتحركاته المفضلة وطريقة استلامه للكرة وحتى المساحات التي يحب التوغل فيها.
ولهذا يرى عبد المنعم الرمضاني، محلل الأداء والمدرب المغربي المقيم في بلجيكا، أن هذه المعطيات قد تجعل من الصيباري محط مراقبة خاصة من جانب الجهاز الفني الهولندي.
وقال الرمضاني في تصريحات لـSNRTnews إن اللاعب المغربي "سيلعب ضد المعلم والأستاذ الذي يعرفه جيدا"، مضيفا أن وجود فان نيستلروي داخل الطاقم الهولندي قد يمنح "الطواحين" أفضلية إضافية في قراءة تحركات نجم المنتخب المغربي.
هولندا.. الواقعية بدل الكرة الجميلة
بعيدا عن قصة الصيباري، يؤكد الرمضاني أن المنتخب الهولندي الحالي يختلف كثيرا عن الصورة التقليدية المرتبطة تاريخيا بـ"الكرة الشاملة".
فمنتخب رونالد كومان لم يعد ذلك الفريق الذي يلعب من أجل الاستعراض أو إمتاع الجماهير فقط، بل تحول إلى منتخب أكثر واقعية وبراغماتية وقدرة على قتل المباريات بأقل عدد ممكن من الفرص.
ويضيف المتحدث نفسه أن هولندا أصبحت تعتمد بشكل أكبر على العمل الجماعي والالتزام التكتيكي والسرعة والقوة البدنية، أكثر من اعتمادها على المهارات الفردية أو الاستحواذ العقيم.
ويبرز هنا سلاح التحولات الهجومية السريعة باعتباره أحد أخطر أسلحة المنتخب البرتقالي في هذه النسخة من كأس العالم. فالمنتخب الهولندي يحتاج أحيانا إلى ثوان قليلة فقط للوصول إلى مرمى الخصم، وهو ما ظهر بوضوح خلال فوزه على السويد بخماسية، ثم على تونس بثلاثية.
مشكلة المغرب... وميزة هولندا
ويرى الرمضاني أن الفارق الأكبر بين المنتخبين حاليا يكمن في النجاعة الهجومية. فبينما يعاني المنتخب المغربي في كثير من الأحيان من صعوبة كبيرة في تحويل الفرص إلى أهداف، تبدو هولندا قادرة على التسجيل من أنصاف الفرص.
ويقول في هذا السياق إن "المغرب يخلق فرصا كثيرة لكنه يعاني أحيانا في اللمسة الأخيرة، بينما تملك هولندا قدرة كبيرة على ترجمة أقل الفرص إلى أهداف".
وتؤكد أرقام المونديال الحالي هذه الفكرة إلى حد بعيد. فالمغرب سجل سبعة أهداف خلال ثلاث مباريات، لكنه احتاج إلى خلق عدد كبير من المحاولات أمام هايتي على سبيل المثال، في حين اكتفت هولندا بعدد أقل من الفرص لتحقيق الحسم في معظم مبارياتها.
كومان والمفاجآت الدائمة
من النقاط التي توقف عندها الرمضاني أيضا، قدرة رونالد كومان على مفاجأة منافسيه من خلال اختياراته البشرية. وأشار إلى حالة المهاجم براين بروبي، الذي لم يكن أساسيا خلال عدد كبير من المباريات قبل أن يظهر أساسيا أمام السويد ويسجل هدفين دفعة واحدة.
ويرى أن المدرب الهولندي يمتلك خيارات واسعة جدا على مستوى الخط الأمامي، وهو ما يجعل قراءة تشكيلته الأساسية أمرا معقدا بالنسبة إلى المنافسين.
أربعة مهاجمين في آن واحد
يعتمد المنتخب الهولندي في أغلب الأحيان على رسم تكتيكي قريب من 4-3-3 ذات النزعة الهجومية الواضحة. ويعتبر تيجاني رايندرز أحد أبرز مفاتيح هذه المنظومة، رغم أنه يظهر نظريا كلاعب وسط.
فالرمضاني يعتبر أن لاعب الوسط الهولندي أقرب إلى مهاجم متأخر أعيد تحويله إلى خط الوسط، ما يجعل المنتخب البرتقالي يلعب فعليا بأربعة لاعبين ذوي نزعة هجومية في الوقت نفسه.
أما عقل الفريق المدبر فيبقى فرينكي دي يونغ، الذي وصفه المدرب المغربي بـ"الميترونوم" الحقيقي للمنتخب الهولندي، فهو اللاعب الذي يحدد إيقاع اللعب، ويعرف متى يسرع النسق ومتى يخفضه، ومتى يحتفظ بالكرة ومتى يغامر نحو الأمام.
ولم يخف عبد المنعم الرمضاني اعتقاده بأن هولندا ربما تكون أصعب خصم كان يمكن للمغرب أن يواجهه في هذا الدور، مبرزا أن المباراة ستكون معقدة وصعبة للغاية بالنظر إلى الفوارق المتعلقة بالخبرة والنجاعة الهجومية والعمق البشري.
لكن في المقابل، يملك المنتخب المغربي بدوره أسلحته الخاصة، وعلى رأسها المرونة التكتيكية التي أظهرها محمد وهبي منذ بداية البطولة، وقدرته على استخراج أفضل نسخة ممكنة من لاعبيه.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة