مجتمع
عيون الأطلس .. سقايات مع وقف التنفيذ
18/09/2022 - 12:18
يونس أباعلي
بعض العيون المائية في إقليم خنيفرة تشكو الجفاف، إذ قلَّ صبيبها شيئا فشيئا، وأخرى ما زالت تمد المواطنين بالقليل مما يجود به جوف الأرض، فيما غيرها جفت نهائيا، بحيث فقدت، ومحطيها، تلك الحياة التي يبعثها الماء في كل شيء.
الجفاف يظهر جليا في عدة عيون بالإقليم، إذ تبدو كما لو أنها تبكي غياب الأمطار بدموع قليلة، أو كما لو أنها تقول لمن يقصدها "خُذ ما تبقى لأني أحتضر".
فبعدما كانت لسنوات تروي بمياهها العذبة الباردة ظمأ كل من حمل إليها قنينة أو كوبا ليملأه أو ليروي عطش ماشيته، لم تعد تنزل قطرة واحدة من أنابيب عدد من العيون المائية.

بين مدينتي مكناس وخنيفرة، تحديدا في الهضاب المطلة على مدينة الحاجب، توجد عين تسمى بالأمازيغية "أمان سيرنين"، أي "الماء المُصفى"، بمحاذاة طريق منعرجة سيئة كلها حُفر ومطبات، بسبب كثرة مرور الشاحنات التي تداوم العمل في مقالع الحجارة القريبة.
لا يمكن المرور دون التوقف لشرب مياهها الباردة، والتزود. لذلك هي أيضا مقصدٌ مُفضل بالنسبة إلى سكان هذه الجماعات المجاورة، ويلجأ إليها الرعاة مع دوابهم.
على جنبات هذه العيون المتفرقة في هذه الرقعة، حيث تنبثق المياه عبر أنابيب في مكانين متقاربين يتظللان تحت الأشجار، انتصبت حوانيت وكراريس تمتهن تجارة الطريق، لتستقطب من استوقفتهم هذه المياه الطبيعية، لشراء ما يحتاجونه من فواكه ولبن وجبن محلي.

لم يعد الرواج الذي تعرفه هذه المنطقة كما كان، بسبب نقص المياه، كما يؤكد تاجرٌ يعرض سلعته غير بعيد عن منبع الماء.
يقول، متحدثا لـSNRTnews، "لم تعد هذه الهضاب تجود بما عهدناه، لقد ضربها الجفاف، رغم أن المياه ما زالت تجري فيها".
أشار بيده إلى مساحة تمتد تقريبا على طول 15 مترا وعرض بخمسة أمتار، قائلا إن المياه المندفعة من تلك الأنابيب البلاستيكية تصل إلى تلك المساحة. الآن لم تعد حتى القناة الإسمنتية التي تصب فيها المياه مباشرة تمتلئ، إذ لا ترتفع عن الأرض سوى بنحو 20 سنتمترا.

كانت هذه المنطقة إلى وقت قريب مبتلة، خضراء، منتعشة بالمياه، وكان ذلك يخلق رواجا تجاريا، إذ تتوفر المنتجات المحلية، بثمن جد مناسب. ويمكن شراء قنينة فارغة بدرهمين أو ثلاثة لتملأها بـ10 لترات من الماء وتغادر. إلا أن الجفاف غيّر هذه "الطقوس"، ورفع أسعار كل شيء متوفر هنا، وجعل المسؤولين يتدخلون لخفض استغلال ما تبقى من المياه.
التدخلات ومحاولات الحد من تأثيرات الجفاف عرفتها مدينة الحاجب القريبة، حيث توجد "عين الذهبية" في وضع صعب، وهي التي على أساسها تم إنشاء منتزه طبيعي جميل.
هذا المشروع، وإن كان يستقطب الزوار وسكان المدينة، بأعداد كبيرة، لا يوجد فيه إلا ماء قليل، لأن هذه العين نضبت، ولم يعد يخرج منها إلا ما يغطي الكعب. لذلك تدخل مجلس المدينة، أخيرا، وراسل وكالة الحوض المائي سبو، لتتبع سبب نضوب الموارد المائية للمشروع، مع تحديد تدابير مستعجلة للحد من الاستغلال السلبي لها.

مرتفعات جافة
على بعد نحو 12 كلم عن خنيفرة، في اتجاه ميدلت، تكتشف في مرتفعات الجماعة القروية "سيدي يحيى اوساعد" أن ما تجود به الأرض يكاد يزول، إذ جفّت تماما سقاية "مُعمرة".
كانت المياه تنزل من تلك الجبال على مدار السنة لتخرج من هذه السقاية، لتملأ قناني السكان والمسافرين، ومنها تحمل النسوة المياه لتغسلن الثياب والزرابي تحت ظلال الأشجار.
جفاف السقاية مؤشر خطير بالنسبة للسكان، إذ لأول مرة يحدث هذا، ولا يتذكر أحد متى رآها جافة هكذا، هي وأخرى في الجوار.
غير بعيد عن هذه السقاية "الميتة"، تقاوم عين مائية لوحدها الموت في هذه المرتفعات. مازالت المياه تخرج من جوف الأرض عبر أنبوبين، لكن ليس بذلك المقدار الذي كانت عليه، حيث لا تصل مياه هذه العين إلى أبعد من 60 مترا، تمر ببطء من قناة ترابية قبل أن تشربها الأرض وتختفي.
توقفَ حُلم بعض البيوت السياحية البسيطة التي بناها مواطنون، إذ لا يوجد زائرون، بل فقط من أتعبتهم منعرجات الطريق وتوقفوا للحظات، خصوصا سائقو الشاحنات والطاكسيات، لذلك لم يعد هناك رواج، بل فقط "براكة" متنقلة لبيع المشروبات والحلوى.

آثارُ روح رحلت
على بعد أقل من ساعة، عبر السيارة، توجد جماعة "أغبالة"، المنتمية بدورها إلى جهة بني ملال خنيفرة. هي معروفة بجودة مياهها وعيونها التي تمر عبر قنوات إسمنتية قاطعة وسط هذه الجماعة الجبلية.
في ساحة وسط هذه البلدة تخرج مياه عذبة صالحة للشرب من ثلاثة أنابيب، لتمر عبر قناة وتجتمع مرة أخرى في ما يشبه حوضا صغيرا يحيط به جدار إسمنتي تزينه جدارية، فيه تجتمع نساء الجماعة، منهمكات في غسل الصوف والأغطية الثقيلة وكل أنواع الثوب.
بسبب قلة الثلوج، على الخصوص، ليس هذا هو المشهد المعتاد هنا، إذ في هذه الساحة فقط مازالت المياه، أما في ما تبقى من القنوات التي تمر من وسط الجماعة فهي جافة، مليئة فقط بالأكياس البلاستيكية والحجارة.
أشارت سيدة منهمكة لوحدها في غسل بعض الثياب، وهي تتحدث لـSNRTnews، إلى أن محيط هذه العين، عين أغبالة، لا يبقى فارغا هكذا، ولا تتزاحم النسوة في الحوض الصغير وراء الجدار، إذ كانت المياه موجودة بكمية كبيرة، على طول السنة، لذلك تم تبليط المكان لكي يتسنى لهن نشر غسيلهن تحت الشمس.
انتهت السيدة من مهمتها، ونشرت غسيلها جانبا، وقررت الذهاب لقضاء غرض شخصي وسط الجماعة، وهي تدعو بنبرة حزينة ألا يكون العام المقبل جافا أيضا، وأن تعود الحياة التي يبعثها الماء في كل شيء.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع