مجتمع
"مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" يرصد تحديات مدارس "الفرصة الثانية"
27/06/2026 - 17:51
شهرزاد عيوش
أصدر مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، اليوم الجمعة 26 يونيو 2026، دراسة جديدة تحت عنوان "ما وراء الأرقام: تحويل مدرسة الفرصة الثانية إلى رافعة هيكلية للإدماج السلس للشباب غير المؤهلين بالمغرب".
وجاءت هذه الدراسة، التي أشرف على إعداده الخبيران عمر إبورك وكريم العيناوي، لترصد واقع منظومة مدارس الفرصة الثانية - الجيل الجديد بالمغرب، كاشفة عن مفارقة صارخة بين الأداء البيداغوجي المتميز والهشاشة الاقتصادية والتشريعية التي تواجه الجمعيات المشرفة على المشروع.
تحدي الهدر المدرسي ومعضلة شباب الـ "NEET"
وفي هذا السياق، يبرز التقرير أن السياسات العمومية بالمغرب تواجه أزمة مستمرة في تدبير رأسمالها البشري الناشئ، حيث يفقد النظام التعليمي سنويا بنحو 300 ألف تلميذ، مما يغذي مباشرة ظاهرة شباب الـ "NEET"، الشباب الذين يوجدون في وضعية خارج التعليم والعمل والتدريب.
تتجلى خطورة الوضع في القفزة المقلقة لمعدلات الانقطاع عن الدراسة خلال المراحل الانتقالية، إذ يرتفع المعدل من 1.5% في الابتدائي إلى 8.5% في السلك الإعدادي، ليستقر عند 7.4% في الثانوي التأهيلي، مما يعني أن ما بين 5% و10% من التلاميذ يحتاجون عروضا تعليمية بديلة.
هذه الدينامية السلبية أدت إلى بروز كتلة حرجة من الشباب الذين يوجدون خارج كل مسار تنموي، حيث تصل نسبة شباب الـ "NEET" في المغرب إلى 29.3%، وهو ما يعادل حوالي 1.7 مليون شاب (بين 15 و24 سنة)، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدلات العالمية المرصودة من طرف منظمة العمل الدولية.
لا تقف المعضلة عند حدود الأرقام، تضيف الدراسة، بل تمتد لتحدث شرخا نفسيا واجتماعيا عميقا؛ إذ تؤكد الدراسات الميدانية لشبكة "MedNC" أن الانكفاء والنفور الظاهري لهؤلاء الشباب يخفيان أزمة ثقة حادة تجاه المؤسسات، ناتجة عن العيش في بيئات هشّة تضعف قدرتهم على التخطيط للمستقبل.
بناء على ذلك، لم يعد الرهان مقتصرا على تقديم "تدريب تقني استدراكي"، كما جاء في الدراسة، بل بات يتطلب توفير "بيئات علاجية" قادرة على إعادة بناء تقدير الذات والروابط الاجتماعية، وهو الحيز الحيوي الذي تسعى مدارس الفرصة الثانية للتموقع فيه.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لآليات الدعم والتأطير، لضمان تحويل هذه الفئة من عبء اجتماعي واقتصادي إلى طاقة إنتاجية تساهم في تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد للمملكة.
مدرسة الفرصة الثانية: استجابة مؤسساتية بأداء استثنائي
لم يقف المغرب موقف المتفرج أمام هذه الأزمة، بل صاغ استجابة مؤسساتية قوية مدعومة بالإرادة الملكية السامية ومؤطرة بالقانون الإطار 51.17، والخطط الاستراتيجية لوزارة التربية الوطنية، متبنيا هندسة إدماج مرنة تنقسم إلى عروض أساسية للمرحلة العمرية (8-13 سنة) وعروض الجيل الجديد (14-20 سنة) القائمة على التكوين بالتناوب، وفق ما جاء في المصدر.
أثبت هذا النموذج نجاعته الميدانية خلال الموسم الدراسي 2024-2025، حيث تحولت هذه المدارس إلى رافعة حقيقية للإدماج السوسيو-اقتصادي، محققة طفرة كمية ونوعية من خلال الانتقال من الطور التجريبي إلى شبكة وطنية واسعة تضم 281 جمعية شريكة و1500 مؤطر.
استوعب البرنامج في متم سنة 2025 ما مجموعه 20,236 مستفيدا، من بينهم 6,480 فتاة، كما أكد رسالته الإدماجية الدامجة باستيعاب الفئات الأكثر ضعفاً: 480 شاباً في وضعية إعاقة، 624 من أطفال الشوارع، و150 من المهاجرين.
وعلى مستوى النتائج الخارجية، حققت "مدارس الجيل الجديد" نجاحا ملحوظا بتسجيلها معدل إدماج استثنائي ناهز 81%، فضلا عن النجاح الأكاديمي المتمثل في حصول أكثر من 4500 تلميذ على شهادة السلك الإعدادي و758 على شهادة التعليم الابتدائي.
الجمعيات الشريكة بين مطرقة التمويل وسندان غياب الاعتراف
يكشف استقراء معطيات البحث الميداني الذي شمل 27 جمعية شريكة، أن هذا "المركب البيداغوجي الناجح"، حسب ما تضمنت الدر سة، يشتغل تحت ضغط مالي وتشغيلي رهيب، حيث يعاني الفاعلون الجمعويون من "مظاهر الاختناق المالي"، إذ صرحت 63% من الجمعيات بأن غياب التمويل المستدام يشكل العائق الأول لاستمراريتها.
يتسبب هذا الشح المالي في عدم القدرة على التخطيط على المدى الطويل، وتشتيت الكفاءات البيداغوجية، فرغم أن 81.5% من الجمعيات ترى في استقرار الطاقم البيداغوجي شرطا أساسيا للنجاح، إلا أن ضعف الميزانيات يحرمها من الحفاظ على مكونيها الذين يتم استقطابهم من طرف القطاع الخاص أو مكتب التكوين المهني (OFPPT).
العائق الثاني الذي يقض مضجع 44.4% من البنيات الجمعوية يكمن في صعوبة تتبع الخريجين بعد مغادرتهم المراكز، فالمنظومة الحالية تعوض الجمعية عن فترة التكوين التقني داخل المركز، وتغفل تمويل هندسة الإدماج الفعلي وتأمين منصب الشغل في مرحلة ما بعد التخرج.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه الأطقم التربوية عبئا نفسيا كبيرا يرتبط بضعف دافعية المستفيدين (تحدٍ تواجهه 40.7% من الجمعيات)، حيث تضطر الفرق إلى استهلاك طاقة هائلة في "الترميم النفسي" للمستفيدين وإدارة معضلات الإدمان والمشاكل الأسرية قبل الولوج للتكوين، وفي غياب مساعدين اجتماعيين مؤهلين.
وعلى مقلب الإدماج المهني، يصطدم الخريجون بـ "حصار جيو-اقتصادي وتدبيري"؛ إذ تشكل "المفارقة المجالية وضيق الآفاق الإقليمية" العائق الأكبر لـ 66.7% من الجمعيات، فالمنظومة البيداغوجية -مهما بلغت جودتها- تصطدم بضعف النسيج الإنتاجي المحلي في المناطق القروية وشبه الحضرية، يشدد التقرير.
التحدي المؤسساتي الأكثر إحباطا، والذي أجمعت عليه 55.6% من الجمعيات، هو "الشهادة غير المرئية" أو ضعف الاعتراف الرسمي بالدبلومات الممنوحة؛ فرغم المؤهلات الحقيقية للمتخرجين، يواجه هؤلاء الشباب نظرة تشكيكية من أرباب العمل (CGEM) الذين يفضلون المسارات الكلاسيكية، مما يولد شعورا بالمرارة لدى المستفيدين.
لحسن الحظ، تجد الجمعيات طوق النجاة في الهندسة المرنة والتأطير المشخص، حيث يعزو 85.2% من الفاعلين نجاحهم إلى ملائمة التكوينات مع متطلبات السوق المحلية، واعتماد مقاربة فردية (74.1%) تضع مشروع الحياة الخاص بكل شاب فوق أي اعتبار تعليمي نمطي مسقط.
أربعة دوافع لتأمين المكتسبات في أفق 2030
من أجل مأسسة هذا النموذج ورفع طاقته الاستيعابية إلى 80 ألف مستفيد بحلول عام 2030، تطرح دراسة مركز السياسات أربعة محاور استراتيجية عاجلة، تبدأ بـ "تحصين النموذج الاقتصادي عبر نظام التدبير بالتعاقد والشهادات"، من خلال إطلاق علامة جودة "Label E2C Maroc" وربطها بعقود برامج تمتد لثلاث سنوات لتمكين الجمعيات من الاستقرار المالي.
ثانيا، توصي الدراسة بـ "إحداث شهادة دولة للاعتراف بمسارات التكوين" بتنسيق وثيق مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب (CGEM)، مع مأسسة "الجسور التلقائية" لاعتماد مصادقة المكتسبات المهنية (VAE) مع مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل (OFPPT) لتمكين الشباب من تدرج مهني حقيقي.
ثالثا، يدعو الخبراء إلى "تمويل الميل الأخير والدعم السيكولوجي"، عبر رصد غلاف مالي مخصص لتتبع الخريجين داخل المقاولات لمدة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرا، وتعميم ولوج المراكز إلى أخصائيين نفسيين لمواجهة أعراض الصدمات والانتكاسات السلوكية لدى الشباب.
رابعا وأخيرا، تشدد الدراسة على ضرورة "تفويض الشبكة الوطنية لمدارس الفرصة الثانية كمنصة لرفع الكفاءات"، لتتحول من مجرد إطار تنسيقي إلى وكالة تقنية وطنية تتولى التكوين المستمر للمكونين، وتوحيد ورقمنة آليات التتبع، ورسم خرائط الفرص الاقتصادية الجهوية لإنقاذ المراكز المتواجدة في المناطق النامية.
مقالات ذات صلة
سياسة
اقتصاد
سياسة
مجتمع