مجتمع
حين يصبح الغش عاديا في التخصصات الدراسية الحساسة.. كلفة مؤجلة تهدد الكفاءة
26/01/2026 - 13:45
خولة ازنيزني
في إحدى وسائل النقل العمومي، يتبادل شبان خرجوا لتوهم من امتحان مصيري في تخصص طبي أحاديث جانبية لا تخلو من التفاخر. لا يتعلق الأمر بنقاش علمي أو بصعوبة الأسئلة، بل بـ“نجاح” عمليات الغش، وبالوسائل الذكية التي مكنتهما من تجاوز الامتحان بأقل مجهود. مشهد عابر، لكنه كاشف لتحول مقلق، إذ لم يعد الغش سلوكا معزولا أو مدانا، بل ممارسة عادية، حتى في تخصصات ترتبط بشكل مباشر بصحة الناس وسلامتهم.
هذا المشهد اليومي، الذي يتكرر بأشكال مختلفة وفي تخصصات متعددة، يلخص جزءا من وضعية تعيشها المنظومة التعليمية، حيث لم يعد الغش يمارس في الخفاء، بل أصبح، في نظر بعض الطلبة، “حلا عمليا” لتجاوز الامتحانات، بل أحيانا دليل ذكاء يروى بتفاخر، غير أن خطورة هذا السلوك تتضاعف حين يتعلق الأمر بتخصصات حساسة، مثل الطب والصيدلة والهندسة، إذ لا تظل تبعات الغش محصورة في نقطة امتحان أو شهادة جامعية، بل تمتد إلى حياة الناس وسلامتهم.
الغش.. من اختلال تربوي إلى تهديد مجتمعي
يحذر الخبير التربوي عبد الرحيم ليه من أن ظاهرة الغش في الامتحانات الإشهادية والجامعية أضحت من أهم التحديات التي تواجه المنظومة التعليمية، نظرا لما تخلفه من آثار مباشرة على جودة التكوين ومصداقية الشهادات.
ويوضح ليه، في تصريحه لـSNRTnews، أن خطورة الظاهرة تتجلى بشكل أكبر في التخصصات الحيوية، حيث يؤدي تخريج أطر غير مؤهلة إلى المساس المباشر بالصحة العامة والأمن المجتمعي.
ويستحضر المتحدث وقائع كشفت حجم الاختلال، من بينها حالات الغش التي عرفتها المباراة الوطنية لولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان سنة 2022، والتي اعتبرت مؤشرا مقلقا على ما قد يواجهه القطاع مستقبلا.
فبحسبه، تخريج أطباء أو مهندسين غير مؤهلين لا ينعكس فقط على سوق الشغل، بل يمس مباشرة سلامة المواطنين وأمنهم الصحي والعمراني. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في آثارها بعيدة المدى، إذ قد تفضي إلى أخطاء طبية جسيمة أو كوارث هندسية، خاصة في مجالات دقيقة كالجراحة وبناء المنشآت الكبرى، مما يجعل الغش تهديدا مباشرا للسلامة العامة وللتنمية الشاملة.
ويؤكد ليه أن الأمر لا يتعلق فقط بتجاوز امتحان، بل بإمكانية ولوج مهن دقيقة دون امتلاك الحد الأدنى من الكفايات العلمية والمهنية، وهو ما ينعكس سلبا على الثقة في المنظومة برمتها.
الذكاء الاصطناعي.. تعقيد جديد للظاهرة
يعرج ليه، في تصريحه، على التطور التكنولوجي المتسارع، الذي فتح آفاقا واسعة للتعلم والمعرفة، إذ ساهم، في المقابل، في تعقيد ظاهرة الغش. فالهواتف الذكية، والسماعات الدقيقة، والتطبيقات الرقمية، وتسريب المواضيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كلها أدوات جعلت ضبط الغش أكثر صعوبة.
ومع بروز الذكاء الاصطناعي، انتقلت الظاهرة إلى مستوى أكثر تطورا، حيث باتت بعض الوسائل الرقمية قادرة على توليد أجوبة أو تسهيل التحايل على المراقبة، ما يطرح تحديات جديدة أمام المؤسسات التعليمية.
غير أن الإشكال، وفق ليه، لا يكمن فقط في الأدوات، بل في السياق القيمي الذي جعل الغش يبدو، في نظر فئة من المتعلمين، سلوكا عاديا أو حقا مكتسبا لتجاوز صعوبات الدراسة.
هذا التطبيع، يضيف الخبير، ساهم في تآكل الثقة المجتمعية في الشهادات والمؤسسات التعليمية، وحوّل الشهادات من مؤشر على الاستحقاق إلى وثائق شكلية لا تعكس بالضرورة مستوى الكفاءة.
وتتداخل في تفشي ظاهرة الغش عوامل تربوية ونفسية واجتماعية ونظامية، فعلى المستوى التنظيمي، يشكل ضعف المراقبة داخل بعض مراكز الامتحان وغياب الصرامة في تطبيق العقوبات عاملا محفزا للغش، حيث يستشعر بعض المتعلمين انعدام المخاطرة أو سهولة الإفلات من العقاب.
أما على المستوى التربوي، فيرتبط الغش غالبا بضعف التحصيل الدراسي وغياب أساليب تعليمية تشجع الفهم والتحليل بدل الحفظ والاستظهار.
ومن الناحية النفسية، يعكس الغش مشاعر الخوف من الفشل، وانعدام الثقة بالنفس، والضغط المرتبط بالتوقعات الأسرية والمجتمعية المرتفعة، فضلا عن القلق الناتج عن كثافة المقررات الدراسية وضيق الزمن المدرسي.
كما يسهم السياق الاجتماعي في تغذية الظاهرة، حين تتسامح بعض الأسر مع الغش أو تنظر إليه كوسيلة مشروعة لتحقيق النجاح الاجتماعي، مما يعمق أزمة القيم داخل المجتمع.
وأشار الخبير إلى اعتماد مجموعة من الإجراءات الزجرية والوقائية للحد من الظاهرة، من أبرزها سن القانون رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية، والذي ينص على عقوبات صارمة تتراوح بين الحبس والغرامات المالية، إضافة إلى الحرمان من اجتياز الامتحانات لسنوات محددة، كما تم اتخاذ تدابير تنظيمية، من قبيل تشكيل لجان خاصة للمراقبة، وتوظيف أجهزة كشف المعادن، ومنع إدخال الهواتف والأجهزة الإلكترونية إلى قاعات الامتحان.
من الغش الفردي إلى تواطؤ مقلق
من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، والباحث في سوسيولوجيا التربية، رشيد جرموني، أن هذه الظاهرة تعكس تحولا عميقا في الأخلاقيات المهنية والقيم المؤطرة للتعليم، مؤكدا أن الفضائح التي تطفو على السطح لا تمثل سوى جزءا يسيرا من واقع أكثر تعقيدا، يصعب ضبطه بسبب كثرة المترشحين وتفاوت ظروف المراقبة.
ويستحضر جرموني، في تصريحه لـSNRTnews، وقائع وصفها بـ"المقلقة"، من بينها حالات تواطؤ للتستر على الغش أو الضغط من أجل تغيير محاضر رسمية، واستغلال النفوذ أو الوجاهة الاجتماعية. مثل هذه الممارسات، بحسبه، لا تسيء فقط إلى نزاهة الامتحانات، بل تضرب في العمق صورة المدرسة، وتحولها إلى فضاء للانتهازية بدل أن تكون مجالا لبناء القيم.
ويؤكد الباحث في سوسيولوجيا التربية أن الغش في التخصصات المرتبطة بحياة الناس لا يمكن فصله عن نتائجه المحتملة، موضحا أن أخطاء طبية أو اختلالات مهنية جسيمة قد تكون، في بعض الحالات، نتيجة مسار تكويني غير سليم.
ويشدد على أن خطورة الغش تكمن في آثاره بعيدة المدى، حين يصبح سلوكا مستبطنا ينتقل من قاعة الامتحان إلى الممارسة المهنية، ويتحول إلى نمط تفكير يبرر التحايل بدل الكفاءة.
ويرى جرموني أن أخطر ما في الأمر هو القبول المجتمعي المتزايد لهذه الممارسات، خاصة حين يتشبع بها التلاميذ في سن مبكرة، فتتحول إلى قاعدة يُعاد إنتاجها عبر الأجيال. وفي هذه الحالة، لا يبقى الغش استثناء، بل يصبح جزءا من الثقافة السائدة، بما يحمله ذلك من تهديد للرأسمال البشري ومسار التنمية.
ورغم اعتماد إجراءات قانونية وتنظيمية لمحاربة الغش، من قبيل تشديد العقوبات وتعزيز المراقبة، فإن استمرار الظاهرة يطرح، بحسب الباحث، سؤال النجاعة. فالمقاربة الزجرية، وإن كانت ضرورية، تظل محدودة الأثر إذا لم تُواكب بإصلاح تربوي وقيمي يعيد الاعتبار للتكوين، ولأخلاقيات المهنة، ولثقافة الاستحقاق.
ويخلص إلى أنه، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبدو الرهان أكبر من أي وقت مضى: فإما توظيف التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لتعزيز النزاهة وجودة التكوين، أو تركها تستعمل كأداة لتكريس الغش، بما يحمله ذلك من مخاطر صامتة على مهن تمس بشكل مباشر صحة وأمن المغاربة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
تكنولوجيا
مجتمع
مجتمع